ولا زلت أقول مع كل ذلك أن ما جاء في بيان الشيخ سفر الحوالي أعدل بكثير مما قاله الآخرون، كالدكتور محسن العواجي - هداه الله- الذي صرح بأن الأمر لو كان بيده لما سمح للشباب بالذهاب أصلًا إلى أفغانستان!!
وغالط حين قال بأن هؤلاء الشباب لم يخرجوا إلى الجهاد إلا بتحريض من حكوماتهم التي (( زجت بهم هناك ) )وأقول: من نعمة الله عليك يا دكتور وعلى الناس أن الأمر لم يكن بيدك، وأرجو ألا يصل إليك إذا كان هذا فقهك ورأيك.
و أما خروج الشباب فأكثرهم إنما ذهب رغبة في الأجر والثواب وحرصًا على الشهادة في سبيل الله ونصرة إخوانه المجاهدين.
أما حكوماتهم فإنما فسحت لهم المجال طوعًا أو كرهًا ولهم مصالح خاصة بهم، لا علاقة للمجاهدين بها ولا بهم.
وأعجب من اقتراح الدكتور العواجي - وفقه الله - على الحكومات العربية بأن توفر للمجاهدين العائدين من أرض الجهاد فرصًا وظيفية، أو تخرطهم في سلك الجيوش للاستفادة من خبراتهم، فإنهم قد خاضوا حروبًا حقيقةً!! أهذا مبلغ علمك وفقهك يادكتور، أن تحول هؤلاء المجاهدين إلى عمال وأجراء يعملون في وظائف حكومية وكأنهم سألوك النفقة وطلبوك المعونة، وهم الذين ضحوا بالغالي والنفيس، ضحوا بأنفسهم وأموالهم وأهليهم في سبيل الله.
نعم أنا لا أنكر أن فيهم الفقير المحتاج،، وهذا ينبغي أن يقف معه المحسنون من التجار وغيرهم، لا أن تطلب من حكوماتهم أن توظفهم، وأنت تعلم -لأنك جربت ذلك - كيف ستساومهم على دينهم مقابل ذلك الراتب الزهيد.
أما تحويلهم إلى جنود رسميين فهذا من عجائب أقوال الدكتور لأنه يعلم أن الجيوش العربية إنما سخرت للاستعراض وحماية الأنظمة أو مهاجمة الجيران كما قال الشيخ سفر - حفظه الله - وسخروا كذلك لحضور المهرجانات والمباريات الختامية، والوقوف كالأصنام لاستقبال فلان وتوديع فلان، واحترام العلم وعزف السلام.
أيريد الدكتور أن يستبدل هؤلاء المجاهدون الذي هو أدنى بالذي هو خير؟
يستعيضون عن الجهاد في ساحات القتال لإعلاء كلمة الله، والفوز بإحدى الحسنيين بمثل هذا الوضع المهين؟
ولقد كرر الشيوخ، سفر والعواجي وغيرهما على مسألة الحوار مع الأنظمة الحاكمة، ودندنوا حوله كثيرًا، ورأوا أنه الحل الأمثل لفض كل المنازعات، وكأن تحكيم شرع الله في الأرض سيأتي بمجرد فتح باب الحوار، وهب أن الباب فتح، وتكلم الجميع: الإسلاميون والعلمانيون والمنافقون والمبتدعة، واستمع الحاكم لهم، فماذا بعد ذلك؟ لمن ستكون الكلمة؟ للحاكم أم لهؤلاء أم لأولئك؟
وهب أن أصوات المخالفين ارتفعت على أصوات الإسلاميين، أيحكم لهم؟
أليست هذه دعوة للديمقراطية في قالب الحوار؟
أتظنون أيها الفضلاء أن الأنظمة الحالية تخشى الحوار معكم ومع غيركم؟ أو أنها إن فعلت ذلك ستذعن لكم ولمطالبكم؟ ما أهونه من مطلب، لو فطن القائمون على الأنظمة، وما أسهلها من غنيمة.
أهذه هي نهاية تلك الجهود الإصلاحية المضنية، التي كنتم أنتم ممن تبنى بعضها وقاد مسيرتها؟
اتقوا الله في هذه الأمة، ولا تكونوا ممن نكص على عقبيه، وبدل سوءًا بعد إحسان.
(( ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثًا ) )
(( يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ) )
(( وإن تتولوا يستبدل قومًا غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم ) )
نعم نحن لا ننكر أن يكون الحوار وجدال المخالفين من الحكام وغيرهم من سبل الدعوة إلى الله طريقًا إلى الإصلاح والتعبير. وقد لا نملك في بعض الفترات إلا الإنكار بالقلب، لكن أن يكون ذلك هو نهاية المطاف والغاية المطلوبة من المتنفذين والمتسلطين أن يسمعونا فقط، فلا.
لابد أن ندعوهم إلى التغيير والإصلاح وتحكيم شرع الله في كل شئون الحياة في أنفسهم ورعيتهم وبلادهم، ومن ذلك جهاد الكفار وإعلان البراءة منهم ومن كفرهم، وإذا كان ثمة عهد أو هدنة أو نحو ذلك فليكن بضوابط الشرع لا لمصالح شخصية.
ومعلوم ضرورة أن منهج الأنبياء والمصلحين لم يقتصر على مجرد فتح باب الحوار مع المخالفين، والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
أيها المجاهدون الأبطال، لا أجد أفضل من أن أسوق إليكم ما كتبه شيخ الإسلام ابن تيمية حين تحزب الأحزاب من التتار وغيرهم على أهل الشام بما هو شبيه بتحزب الأحزاب في غزوة الخندق، ومثله أو قريب منه ما أنتم عليه اليوم في أفغانستان.
قال رحمه الله (( وكان مختصر القصة(أي قصة الخندق) :أن المسلمين تحزب عليهم عامة المشركين الذين حولهم، وجاءوا بجموعهم إلى المدينة ليستأصلوا المؤمنين.
فاجتمعت قريش وحلفاؤها من بني أسد وأشجع وفزارة وغيرهم من قبائل نجد.
واجتمعت أيضًا اليهود من قريظة والنضير ... .
فاجتمعت هذه الأحزاب العظيمة وهم بقدر المسلمين مرات متعددة.
فرفع النبي صلى الله عليه وسلم الذرية من النساء والصبيان في آطام المدينة.
وفي هذه الحادثة (أي المعاصرة لشيخ الإسلام) : تحزب هذا العدو من مغل وغيرهم من أنواع الترك، ومن فرس ومستعربة ونحوهم من أجناس المرتدة ومن نصارى الأرمن وغيرهم. ونزل هذا العدو بجانب ديار المسلمين، وهو بين الإقدام والإحجام، مع قلة من بإزائهم من المسلمين، ومقصودهم الاستيلاء على الدار واصطلام أهلها، كما نزل أولئك بنواحي المدينة بإزاء المسلمين.
وكان عام الخندق برد شديد وريح شديدة منكرة، بها صرف الله الأحزاب عن المدينة كما قال تعالى (( فأرسلنا عليهم ريحًا وجنودًا لم تروها ) )
وهكذا هذا العام، أكثر الله فيه الثلج والمطر والبرد، على خلاف أكثر العادات، حتى كره أكثر الناس ذلك. وكنا نقول لهم: لا تكرهوا ذلك، فإن لله فيه حكمة ورحمة.
وكان ذلك من أعظم الأسباب التي صرف الله بها العدو.
وقال الله في شأن الأحزاب (( إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا. هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالًا شديدًا ) ).
وهكذا هذا العام. جاء العدو من ناحيتي علو الشام وهو شمال الفرات )) إلى أن قال (( وظن الناس بالله الظنونا. هذا يظن أنه لا يقف قدامهم أحد من جند الشام حتى يصطلموا أهل الشام. وهذا يظن أنهم لو وقفوا لكسروهم كسرة وأحاطوا بهم إحاطة الهالة بالقمر. وهذا يظن أن أرض الشام ما بقيت تسكن ولا بقيت تكون تحت مملكة الإسلام. وهذا يظن أنهم يأخذونها ثم يذهبون إلى مصر فيستولون عليها فلا يقف قدامهم أحد، فيحدث نفسه بالفرار إلى اليمن ونحوها ..
وهذا قد تعارضت عنده الأمارات وتقابلت عنده الإرادات، لا سيما وهو لا يفرق من المبشرات بين الصادق والكاذب ولا يميز في التحديث بين المخطئ والصائب.
فلذلك استولت الحيرة على من كان متسمًا بالاهتداء، وتراجمت به الأراء تراجم الصبيان بالحصباء (( هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالًا شديدًا ) )ابتلاهم الله بهذا الابتلاء، الذي يكفر به خطيئاتهم ويرفع به درجاتهم ..
ثم قال تعالى (( وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا ) )
فقالت طائفة منهم: لا مقام لكم هنا لكثرة العدو، فارجعوا إلى المدينة.
وقيل: لا مقام لكم على القتال فارجعوا إلى الاستئمان والاستجارة بهم.
وهكذا لما قدم هذا العدو (يعني التتار) ، كان من المنافقين من قال: ما بقيت الدولة الإسلامية تقوم، فينبغي الدخول في دولة التتار. وقال بعض الخاصة: ما بقيت أرض الشام تسكن. وقال بعضهم: بل المصلحة الاستسلام لهؤلاء، كما قد استسلم لهم أهل العراق والدخول تحت حكمهم ... ))
إلى أن قال شيخ الإسلام (( فإن هذه الحادثة كان فيها أمور عظيمة جازت حد القياس وخرجت عن سنن العادة، وظهر لكل ذي عقل من تأييد الله لهذا الدين وعنايته بهذه الأمة، بعد أن كاد الإسلام أن ينثني، وانقطعت الأسباب الظاهرة، وأهطعت الأحزاب القاهرة وتخاذلت القلوب المتناحرة، وثبتت الفئة الناصرة، ففتح الله أبواب سماواته لجنوده القاهرة، وأرغم معاطس أهل الكفر والنفاق، وجعل ذلك آية للمؤمنين إلى يوم التلاق ) )انتهى نقله باختصار من مجموع الفتاوى [28/ 443 - 466]
وختامًا فإني أوجه نصيحة للمجاهدين بأن يثبتوا ويكثروا من ذكر الله وأن يتقوا الله ويتركوا الخلاف والتنازع المؤدي إلى الهزيمة والفشل، وأن يوقنوا بعد ذلك بنصر الله والحمد لله أولا وآخرًا.
أخوكم: سمير بن خليل المالكي
2/ 10 / 1422هـ