[الكاتب: سمير بن خليل المالكي]
وتلك شكاة ظاهر عنك عارها ... بسم الله الرحمن الرحيم
من سمير بن خليل المالكي إلى الإخوة المجاهدين في سبيل الله في أرض أفغانستان، الذين يواجهون الأحزاب من النصارى واليهود والشيوعيين والرافضة والمنافقين والفسقة المرتزقين، الذين تمالؤا عليكم ورموكم عن قوس واحدة.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو وأسأله سبحانه بأسمائه الحسنى وصفاته العليا أن ينصركم على عدوه وعدوكم نصرًا مؤزرًا.
أما بعد فهذه رسالتي إليكم جاءت متأخرة بعض الشيء ولكن كل شيء بقضاء وقدر حتى العجز والكيس.
إخواني، إن كاتب هذه السطور لا يعرف الجهاد إلا قراءة عابرة في نصوص الكتاب والسنة والكتب الشرعية، ويعترف بتقصيره في هذا الجانب فقد فاته أجر عظيم وخير كبير، ولكنه كان ولا يزال ينظر إليكم وإلى كل المجاهدين في سبيل الله نظرة إجلال وتعظيم، أناس ضحوا بأنفسهم وأموالهم وتركوا الدنيا كلها من أجل الله، لتكون كلمة الله هي العليا، فكيف لا يُقدَّر قدرهم ولا يُفخَّم أمرهم؟
وقد سئل الرسول صلى الله عليه وسلم عن رجل أحب قومًا ولما يلحق بهم، فقال (( المرء مع من أحب ) )متفق عليه.
نحن يا إخوان نزعم أننا شيوخ وطلبة علم، وفينا العلماء والخطباء والوعاظ، لو أراد الواحد أن يتكلم ساعات متواصلة، أو يؤلف الكتب الكبار في مسائل الدين المتنوعة لما وجد صعوبة في ذلك، إذ المسألة سهلة يسيرة، خاصة في عصر الكومبيوتر والديسكات التي قربت ويسرت وفهرست العلوم كلها.
لكننا قعدنا عن الجهاد والإعداد وآثرنا الأهل والأموال والأولاد على أن نرابط في الثغور، على الأقل لتثبيت إخواننا الشباب الذين كانوا يحضرون دروسنا ومواعظنا ويقرأون مؤلفاتنا التي ملأت المكتبات، فما هو عذرنا؟!
قد يقول بعضنا إننا على ثغر كما المجاهدون على ثغر، وقد يتعذر البعض بشتى أنواع الأعذار، وقد يكون صادقًا في ذلك، لكن الله وحده يعلم ما في نفوسنا وماتكنه صدورنا.
ثم ليتنا إذ ضعفنا وتولينا وتخلفنا عن الجهاد في ساحات القتال، آزرنا إخواننا المجاهدين بكلمة طيبة، ونصرناهم في محنتهم، وقد تكالبت عليهم قوى الشر كلها، فثبتناهم ودعونا لهم وأظهرنا محبتهم وموالاتهم، وتبرأنا صراحة من عدونا وعدوهم الذي لم يقصدهم إلا لأنهم أخافوه وأذلوه ورفضوا أن يذلوا له ويخضعوا لحكمه وسلطانه، الذي رضينا به نحن طوعًا أو كرهًا.
بل ليتنا إذ لم ننصر إخواننا المجاهدين بشيء، سكتنا وعصمنا ألسنتنا عن النيل منهم والسخرية بهم ولمزهم، تارة بأنهم متهورون، أو (( خوارج ) )أو غير ذلك مما جادت به قرائح الشيوخ والعلماء!!! وأخشى أن نكون ممن قال الله فيهم (( الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون منهم سخر الله منهم ) )
وممن قيل فيهم (( أشحة عليكم فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد أشحة على الخير ) )
أو قيل فيهم (( رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون ) )
إني أرجو الله وأتوسل إليه بأسمائه الحسنى أن لا نكون ممن قال الله فيهم ذلك كله، وأن يغفر لنا ضعفنا وجبننا وركوننا إلى الحياة الدنيا.
والمرجو فيكم أيها المجاهدون أن لا يثبطكم ويوهن عزمكم مثل ذلك الكلام وإن صدر من شيوخ وعلماء لهم قدر ومنزلة عندنا وعندكم، فكل يؤخذ من قوله ويرد إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولو فرض أن كلمة جرحت مشاعركم فخذوها على أحسن محمل، واتبعوا من القول أحسنه، فلكم صفوه وعليهم كدره.
أيها المجاهدون: إني لا أخاف عليكم كثرة عدوكم ولا عظم أسلحتهم ولا تحزب قوى الشر واجتماعها عليكم، ولا خذلان إخوانكم المسلمين في بقاع الأرض الذين يملكون الجيوش الجرارة والأسلحة الفتاكة، لكن تلك الجيوش قد أعدت لغير ما أنتم فيه، وتلك الأسلحة قد صدئت في خزائنها ولعلها تبقى كذلك إلى أن تنتهي صلا حيتها إلا أن يشاء الله، ولكني أخاف عليكم من أنفسكم، أخاف أن يصيبكم الوهن والفشل بتنازعكم وعصيانكم لأمر الله وأمر أمرائكم، فتلك المصيبة، ولكم فيما حصل يوم أحد موعظة وذكرى.
قال الله تعالى (( حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ) )
قال ابن كثير (( كان الظفر والنصر أول النهار للإسلام، فلما حصل ما حصل من عصيان الرماة وفشل بعض المقاتلة تأخر الوعد الذي كان مشروطًا بالثبات والطاعة ) )ا هـ.
لقد حدث في تلك الغزوة مواقف عجيبة، منها أن العدو كان أكثر من ثلاثة أضعاف عدد المسلمين، فنصر الله المسلمين أول النهار، فلما عصوا أدار عليهم الدائرة آخره.
ومنها أن بعض كبار الصحابة تولى فرارًا من المعركة، ومنهم عثمان بن عفان رضي الله عنه ولقد عفا الله عنهم، كما أخبر بذلك في كتابه.
قال جابر رضي الله عنه (( تفرق الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد وبقي معه أحد عشر رجلًا من الأنصار وطلحة ) )قال الحافظ في الفتح [7/ 360] إسناده جيد.
وفي حديث أنس رضي الله عنه قال (( ... .. فلما كان يوم أحد وانكشف المسلمون قال - يعني أنس بن النضر - اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء يعني أصحابه، وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء، يعني المشركين ... ) )رواه البخاري.
إخواني المجاهدون: قد يتأخر نصر الله، وقد تكون هزائم وقتل وجراحات في صفوفكم، فليس هذا بغريب، إذ تلك سنة الله في الذين خلوا من قبل، ولن تجد لسنة الله تبديلًا.
قال هرقل لأبي سفيان (( سألتك كيف كان قتالكم إياه - يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم - فزعمت أن الحرب سجال ودول، فكذلك الرسل تبتلى ثم تكون لهم العاقبة ) )رواه البخاري.
إن أعظم ما تمتحنون به في جبهات القتال هو: الصبر واليقين. اليقين بأن الله منجز وعده وناصر جنده وحزبه، ولو بعد حين.
والصبر عند الشدائد، فإن النصر مع الصبر وإن الفرج مع الكرب، وإن مع العسر يسرًا، كما جاء في الحديث.
يخطئ من يظن بالله ظن السوء، فينظر إلى عدد العدو وعدتهم وينسى وعد الله (( كتب الله لأغلبن أنا ورسلي ) )
(( ومن يتول الله ورسوله فإن حزب الله هم الغالبون ) )
(( وكان حقًا علينا نصر المؤمنين ) )
(( إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار ) )
(( وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنًا يعبدونني لا يشركون بي شيئًا ) )
فهذا الشرط مقابل المشروط: الإيمان والإخلاص والعمل الصالح، ثم النصر والتمكين والاستخلاف، وعد الله لا يخلف الله الميعاد.
أيها المجاهدون المرابطون: إنكم والله في حال تغبطون عليه، لا كما يقول المخذلون ممن ينظرون إلى الأمور نظرة مادية بحتة، الذين أرعب قلوبهم وأفزعها ما تبثه الأخبار الغربية وأذنابها من انتصار الأحزاب وفرار المجاهدين وتركهم لمواقعهم في قندهار وقندز وغيرها. فالحروب لا تقاس بالعدد والعدة ولا بالنصر والغلبة فإنه لابد من هذا وهذا، ثم يأتي النصر والتمكين ولو بعد حين.
قال شيخ الإسلام وهو يصف ما حصل في زمانه من تحزب الأحزاب من التتار والمنافقين وغيرهم على المسلمين، قال رحمه الله (( فهذه الفتنة قد تفرق الناس فيها ثلاث فرق: الطائفة المنصورة، وهم المجاهدون لهؤلاء القوم المفسدين.
والطائفة المخالفة، وهم هؤلاء القوم ومن تحيز إليهم من خبالة المنتسبين إلى الإسلام.
والطائفة المخذلة وهم القاعدون عن جهادهم، وإن كانوا صحيحي الإسلام. فلينظر الرجل أيكون من الطائفة المنصورة أم من الخاذلة أم من المخالفة؟ فما بقي قسم رابع.
واعلموا أن الجهاد فيه خير الدنيا والآخرة، وفي تركه خسارة الدنيا والآخرة. قال الله تعالى في كتابه (( قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ) )يعني: إما النصر والظفر، وإما الشهادة والجنة. فمن عاش من المجاهدين كان كريمًا له ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة.
ومن مات منهم أو قتل فإلى الجنة. قال النبي صلى الله عليه وسلم (( يعطى الشهيد ست خصال، يغفر له بأول قطرة من دمه، ويرى مقعده من الجنة ويكسى حلة من الإيمان، ويزوج ثنتين وسبعين من الحور العين، ويوقى فتنة القبر ويؤمن الفزع الأكبر ) )رواه أهل السنن.
وقال صلى الله عليه وسلم (( إن في الجنة لمائة درجة، ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين السماء والأرض أعدها الله سبحانه وتعالى للمجاهدين في سبيله ) ).
فهذا ارتفاع خمسين ألف سنة في الجنة لأهل الجهاد ... . )) إلى أن قال شيخ الإسلام (( وكذلك اتفق العلماء - فيما أعلم - على أنه ليس في التطوعات أفضل من الجهاد، فهو أفضل من الحج، وافضل من الصوم التطوع وأفضل من الصلاة التطوع.
والمرابطة في سبيل الله أفضل من المجاورة بمكة والمدينة وبيت المقدس، حتى قال أبو هريرة رضي الله عنه (( لأن أرابط ليلة في سبيل الله أحب إلي من أن أوافق ليلة القدر عند الحجر الأسود ) ). فقد اختار الرباط ليلة على العبادة في أفضل الليالي عند أفضل البقاع ... . )) .
إلى أن قال شيخ الإسلام (( واعلموا - أصلحكم الله - أن النصرة للمؤمنين، والعاقبة للمتقين، وأن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون. وهؤلاء القوم(يعني الأعداء) مقهورون مقموعون. الله سبحانه وتعالى ناصرنا عليهم، ومنتقم لنا منهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
فابشروا بنصر الله تعالى وبحسن عاقبته (( ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين ) )وهذا أمر قد تيقناه وتحققناه، والحمد لله رب العالمين )) ثم قال شيخ الإسلام (( واعلموا - أصلحكم الله - أن من أعظم النعم على من أراد الله به خيرًا أن أحياه إلى هذا الوقت الذي يجدد فيه الدين ويحي فيه شعار المسلمين وأحوال المؤمنين والمجاهدين، حتى يكون شبيهًا بالسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار.
فمن قام في هذا الوقت بذلك كان من التابعين لهم بإحسان، الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدًا ذلك الفوز العظيم.
فينبغي للمؤمنين أن يشكروا الله تعالى على هذه المحنة التي حقيقتها منحة كريمة من الله، وهذه الفتنة التي في باطنها نعمة جسيمة، حتى، والله، لو كان السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم، حاضرين في هذا الزمان، لكان من أفضل أعمالهم جهاد هؤلاء القوم المجرمين.
ولا يفوت مثل هذه الغزاة إلا من خسرت تجارته، وسفه نفسه، وحرم حظًا عظيمًا من الدنيا والآخرة، إلا أن يكون ممن عذر الله تعالى، كا لمريض والفقير والأعمى وغيرهم، وإلا فمن كان له مال وهو عاجز ببدنه فليغز بماله. ففي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (( من جهز غازيا فقد غزا ومن خلفه في أهله بخير فقد غزا ) )... . )) انتهى نقله من مجموع الفتاوى [28/ 416 - 421] باختصار.
أيها المجاهدون الأفغان، لقد نسب إليكم بعض الناس أمورًا ونقائص ومخالفات، فقالوا: إن الطالبان فيهم بدع وتعصب للمذهب وجهل بالسنة، وشدة على الناس وغلظة ... . إلى غير ذلك من مخالفات، ليس من العدل والحكمة إهمالها والسكوت عنها، بغض النظر عن غرض الناصحين لكم، والمؤمل فيكم إن شاء الله الإذعان للحق، وفي ذلك رفعة لكم وإعلاء شأنكم. أما شهادة عدوكم لكم فقد رأيناها وسمعناها ونشرت على الملأ فقد فُتِحَت المزارات الشركية بعد تسلم الفسقة والمنافقين زمام الأمور وتبرج بعض النساء وحلق بعض الرجال اللحى وفتحت دور اللهو والسينما ونشرت صور الغواني علنًا، وانتشرت الفوضى والنهب والسلب والغصب ... الخ ما نشرته أجهزة الإعلام كافة، فماذا تريدون أفضل من أن يظهر الله عدلكم وفضلكم على أيدي أعدائكم؟!
ولقد عجبت لما نقلته صحيفة عكاظ على لسان الوزير صالح آل الشيخ وهو قوله (( أما طالبان باعتبارها حكومة فإنها لا تمتلك عنصر البقاء، هي حركة قائمة على التصادم مع العالم، والتصادمية في هذا العصر لا تعطي لأحد فرصة البقاء والحياة، العالم اليوم قائم على التفاهم وعلى سياسة جلب المصالح ودفع المضار، بنية الدولة ينبغي أن تكون بنية دينية وسياسية واقتصادية واجتماعية وذلك هو ما تفتقر إليه حركة طالبان، ووقوف طالبان إلى جانب المتطرفين ودعمها لهم يدل ذلك على ضيق أفقهم ) )اهـ.
وهذا الكلام كله يصب في صالح طالبان لو فهم الوزير، إذ إن التصادمية، وهو مصطلح غربي، ومعناه في مفهومنا العداء والبراء ومنابذة الأعداء من ملل الكفر والشرك، وهو النهج الذي انتهجته طالبان وهو الموافق لمنهج القرآن، ويزعم الوزير أنه لا يصلح في هذا الزمان، وإنما الذي يصلح في نظره هو: التفاهم وسياسة جلب المصالح ودفع المضار!!
وهذا منحى خطير نحاه الوزير حيث ألغى التميز والبراء والعداوة التي فرضها الله على المؤمنين تجاه الكافرين، وفرض الجهاد طلبًا ودفعًا لتكون كلمة الله هي العليا، ولا مصلحة أعلى من هذه المصلحة ولا مضرة أشد من أن يكون الدين أو بعضه لغير الله. فهذا الذي ميز طالبان عن سائر الدول، باتباعها لنصوص الكتاب والسنة ومنهج سلف هذه الأمة في الولاء والبراء، قد غدا مثلبةً لها في نظر الوزير!!
عيرني الواشون أني أحبها
تيم ولا يستأذنون وهم شهود ... وأما زعم الوزير أنه باتباع الدول لمنهج العداء والبراء أو (( التصادمية ) )على حد تعبيره، فإنه لا بقاء لها ولا حياة، فهذا نقص في التوكل على الله، الذي بيده الموت والبقاء والحياة، وهو القائل في كتابه (( وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء ) )وقال سبحانه (( ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ) )
وأي بقاء وأي حياة تلك التي تحياها الدول العربية التي تركت ما فرضه الله عليها وصارت خاضعة للكفار ذليلة مهانة، حالها كما وصف الشاعر:
ويقضى الأمر حين تغيب
فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل ... ثم إني أسأل الوزير، من أين أتى بهذه القاعدة والمنهج الغريب وهو الحريص على اتباع منهج السلف ونصوص الوحي؟! أم هي السياسة والوزارة والمنصب تغير الحقائق وتبدل المفاهيم وتقلب الأسس وتعكس المبادئ؟!
قد هيأوك لأمر لو فطنت له
لقد نحى الوزير منحىً خطيرًا في ذلك المقال الذي ابتدأه بقوله (( كل عاقل هو ضد صدام الحضارات ... .. حتمية الصراع التي عرضها ها تنجتون مرفوضة ... ما ينبغي أن يتحقق بين الأمم هو التفاهم مع التمايز ... الفكر الذي يرفض الصراع ... . ) )الخ ما جاء في مقاله، الذي يهدم أساس الولاء والبراء، والعداوة والصراع مع الكفر والشرك وسائر الملل والنحل المخالفة ويلغي بل ينكر صراحة الجهاد لتكون كلمة الله هي العليا. أليست دعوة الرسل من نوح إلى محمد عليهم الصلاة والسلام كلها صراع مع المخالفين؟ أين العلم ياشيخ صالح وأين الفقه وأين العقيدة؟ ما شأننا نحن بهذا الها تنجتون؟!
مقالك كله ليس فيه آية ولا حديث ولا نص من كلام السلف، أصرت تستحي من ذلك وتريد أن تظهر أنك عصري متحضر؟!
إنني لم أزل متعجبًا من هذا الوزير (( الصالح ) )المعروف سابقًا بطلبه الدؤوب للعلم الشرعي وتمكنه فيه ودقته في اختيار الأسلوب والمصطلحات الشرعية والألفاظ العربية الفصيحة، ثم لما استوزر خرج علينا بمصطلحات غربية ومخالفات شرعية.
وأحيانًا تقرأ له كلامًا عريضًا لا معنى له، ولا تدري ما الذي يرمي إليه، وأشد من ذلك فقهه الغريب الذي يشبه أو يقرب من فقه دعاة التغريب من أمثال رفاعة الطهطاوي وعبدالرازق وقاسم وأضرابهم. وبدلًا من أن يسوق الشيخ الإعلاميين المستغربين إلى هذا الدين وإلى لغته ويدعوهم إلى أصالته، انحدر هو إلى لغتهم وانساق إلى مصطلحاتهم ومرئياتهم وتابعهم في مواقفهم. ومن تتبع ما كتب في صحيفتي عكاظ والرياض على لسانه عرف ما أعني، والله الهادي.
أما زعم الوزير افتقار طالبان للبنية الدينية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، فكلام لا زمام له ولا خطام.
فهل اطلع على أحوال طالبان عن قرب حتى يصدر هذا الحكم عليها؟
أم إنه يريد بنية دينية كتلك الموجودة في البلاد العربية التي تختار من الدين ما تشاء وتترك ما تشاء وتخضع العلماء لرأي السلطان وتسوقهم إلى سياسته. وهل يريد بنية سياسية تتحالف فيها طالبان مثلًا مع النصارى واليهود وتعطي لهم الحق في التحكم في كل أمر والخضوع لكل مطلب، دون النظر إلى حكم الشرع، كما هو حال كثير من الدول العربية والإسلامية؟ وهل يريد بنية اقتصادية يهيمن فيها الربا والنظام الرأس مالي على التجارات والشركات والعملات كما هو الحال في كل بلاد الإسلام؟
ثم لماذا يخص الوزير طالبان بالنقد؟ لماذا لم يوجه كلامه ونقده لكل الدول المخالفة، أم هي في نظره على الصراط المستقيم؟ هل يجرؤ الوزير على انتقاد سياسة مصر مثلًا واقتصاد سوريا وجرائم إيران؟!
وأما دعم المتطرفين ووقوف طالبان إلى جانبهم، فهو من بعد نظرهم لا من ضيق أفقهم أيها الوزير. وهو من شيمهم وأخلاقهم التي يحمدون عليها، إذ آووا المجاهدين العرب الذين سميتهم بالمتطرفين وهو تعبير غربي أيضًا، نربأ بك أن تورده وتتمثله، لأنك تعرف أن هذا المصطلح يشملك حتى أنت في نظر من أطلقه من الغربيين.
ثم ليست طالبان وحدها هي التي تؤوي هؤلاء المتطرفين، بل دول الكفر (( المتحضرة ) )في نظرك، والتي تملك (( مقومات الحياة والبقاء ) )على حد تعبيرك قد آوت ولا تزال تؤوي المئات من المطلوبين من حكوماتهم ممن يسمونهم بالإرهابيين والمتطرفين.
أتجرؤ أيها الوزير على نقد تلك الدول الغربية وعلى رأسها بريطانيا؟!
ثم إني أقول لهذا الوزير أين انتقادك لطالبان من قبل، إبان كان معترفًا بهم هنا؟
هل تغيرت طالبان أم تغيرت المواقف فتابعتها حال الرضى ثم تابعتها حال السخط؟
أما أنتم أيها المجاهدون العرب، فكان الله لكم، قد أحاطت بكم المحن واكتنفتكم النكبات من كل مكان، عدتم من ساحات المعركة فلاحقتكم جنود الطغاة وساموكم سوء العذاب قتلًا وتعذيبًا وتنكيلًا ومن فر منكم مضطرًا ولجأ إلى بلاد الكفار لم يسلم كذلك من الفتن.
ومن رجع منهم إلى أفغانستان إبان تسلط الأحزاب على الحكم ظل خائفًا على نفسه وأهله وماله فقد تنكر له رباني وسياف ومسعود وأضرابهم وأذلوهم وأهانوهم بل صرحوا بأنهم سيسلمونهم إلى حكوماتهم كمصر وغيرها.
ولم يشعروا بالأمن والأمان والرحمة والأخوة إلا في عهد طالبان الذين آووهم وأعزوهم وأكرموهم، ورفضوا تسليم أحد منهم لحكومة بلده وبدلًا من أن يحمد الشيوخ والعلماء سعيكم ويقدروا جهادكم وتضحيتكم تنكروا لكم ورموكم بالعظائم، فمن واصف لكم بـ (( المرتدين ) )، و (( الخوارج ) )، و (( الإرهابيين ) )، و (( المتطرفين ) )، وغير ذلك مما تفضلت به قرائح الشيوخ بالاستعانة بقاموس المخابرات الغربية والعربية التابعة لها.
وتباينت طرق الشيوخ وأساليبهم في نقد هؤلاء الفتية الأخيار الذين ليس لهم ذنب إلا أنهم بذلوا أنفسهم وأموالهم وباعوها رخيصة في سبيل الله لإعلاء كلمته وجهاد أعدائه، وما كان منهم من نقص أو تقصير في علم أو عمل صالح فهو في عامة الناس وطلبة العلم، بل والعلماء أيضًا، فلماذا تُصور أخطاؤهم وتفرد بالنقد وكأنها نتاج الجهاد وحصيلة الذهاب إلى ساحات القتال في سبيل الله في أفغانستان وغيرها؟!
لقد كرر الشيخ سفر نقده لهم بالجهل تارة، ونقص التربية تارة، وانعدام المنهج والتنظيم تارة أخرى.
وللإنصاف فإن الشيخ - حفظه الله - نافح عنهم وصرح بوجوب محبتهم وموالاتهم في أكثر من موضع في بيانه المشهور.
وإني أقول للشيخ سفر ولغيره من العلماء والمصلحين الناقدين، إن هؤلاء المجاهدين هم شريحة من شرائح المجتمع الإسلامي، ففيهم العامي وطالب العلم الشرعي وحامل العلوم الدنيوية وفيهم التاجر الغني والمعدم الفقير، إلى غير ذلك.
ومعلوم قطعًا أن الجهاد لا يشترط له ما يشترط في الوعظ والخطابة والدعوة إلى الله، التي تفتقر إلى العلم الشرعي ولو بالحد الأدنى كما لا يخفى.
ونحن نرى ونلمس أخطاءً وشذوذًا في الفكر والمواقف والسلوك لدى كثير من هؤلاء الدعاة والخطباء الذين يزعم أنهم نالوا حظًا كافيًا من العلوم الشرعية ومن التربية، ولم توجه إليهم مثل تلك الانتقادات التي وجهت للمجاهدين، مع أنهم أولى بالنقد من أولئك لقيام الحجة عليهم بما تعلموه ولوفرة الشيوخ والعلماء حولهم، وهم آمنون في سربهم معافون في أجسادهم، لم يمتحنوا في شيء من ذلك.
وفيما يتعلق بمفهوم التربية الذي يدندن الشيوخ حوله فإن هذا موضع خلاف كبير في التطبيق، فإن التربية لدى بعض الأحزاب الدعوية المنتشرة تعني شيئًا غير المعنى المعروف عند العلماء الملتزمين بالمنهج السلفي.
ولا أريد التفصيل هنا في هذه القضية الشائكة، لكني أوجه سؤالا ًسهلًا، هل كان الأعراب الذين جاهدوا مع النبي صلى الله عليه وسلم قد تلقوا التربية المطلوبة والتنظيم المطلوب قبل أن يدخلوا ساحة الحرب؟
بل المشرك الذي كان يعرض نفسه للجهاد مع المسلمين ضد المشركين فيرده النبي صلى الله عليه وسلم بقوله (( إنا لا نستعين بمشرك ) )حتى إذا آمن وشهد الشهادتين قبله في جيش المسلمين، هل تلقى التربية والتنظيم المطلوبين؟!
وأما نقد المجاهدين في عدم مشاورتهم لأهل العلم، كما ذكر الشيخ سفر - حفظه الله - فهذا نوجهه للشيخ سفر ولسائر الشيوخ والعلماء، فنقول لهم، هل فتحتم صدوركم وفرغتم شيئًا من أوقاتكم لهؤلاء الأخيار ثم وجدتم منهم صدودًا وإعراضًا عنكم، أم أنكم ما بين مشغول ومعرض وخائف حتى من الالتقاء بهم إلا في أماكن عامة لا يقدرون فيها على السؤال ولا تستطيعون أنتم الجواب؟
وقبل ذلك أقول لماذا أحجم كل الشيوخ والعلماء - إلا القليل - عن الذهاب إلى ساحات الجهاد، حتى ولو لمجرد ضبط الشباب المتحمس وتعليمهم وتربيتهم هناك بدلًا من أن نفرض عليهم هم أن يأتوا إلينا؟ هل هو الشغل بالدعوة والتعليم؟
أم الخوف على أنفسهم ومناصبهم ورئاستهم؟ أم عدم القناعة بالجهاد أصلًا؟ أم أن كثيرًا من هؤلاء شغلتهم أموالهم وأهلوهم؟
قد سافر كثير من الشيوخ والدعاة إلى أقاصي الأرض غربها وشرقها للدعوة إلى الله وبناء المساجد والمدارس والالتقاء بالمسلمين هناك للتربية والتعليم، فلماذا لم يخصوا ساحات الجهاد بواحدة من تلك الأسفار؟! لماذا؟!