وقد اخترت أن أنقلها من فتح الباري لا من مظانها من كتب السلف لأن فتح الباري عمدة عند هؤلاء المخالفين، فهم ينقلون منه ما يوافق أهواءهم، وابن حجر غير متهم عندهم بالتشبيه أو التجسيم، وقد ساقها محتجًا بها مقرًا لها ولم يتعقبها بالتشكيك أو التكذيب، والله أعلم.
وقال الحافظ أيضًا (( وقال إمام الحرمين في الرسالة النظامية: اختلفت مسالك العلماء في هذه الظواهر، فرأى بعضهم تأويلها، والتزم ذلك في آي الكتاب وما يصح من السنن. وذهب أئمة السلف إلى الانكفاف عن التأويل وإجراء الظواهر على مواردها وتفويض معانيها إلى الله تعالى. والذي نرتضيه رأيًا وندين الله به عقيدة، اتباع سلف الأمة، للدليل القاطع على أن إجماع الأمة حجة. فلو كان تأويل هذه الظواهر حتمًا لأوشك أن يكون اهتمامهم به فوق اهتمامهم بفروع الشريعة وإذا انصرم عصر الصحابة والتابعين على الإضراب عن التأويل كان ذلك هو الوجه المتبع ) ). انتهى.
قال سمير: وهذه شهادة من إمام من أئمة المتكلمين، ممن يعظمهم المخالفون، يصرح فيها بأن مذهب السلف هو الإثبات لا التأويل، وهو ينقض دعوى المخالف.
ثم قال الحافظ (( وقد تقدم النقل عن أهل العصر الثالث، وهم فقهاء الأمصار، كالثوري والأوزاعي ومالك والليث ومن عاصرهم، وكذا من أخذ عنهم من الأئمة، فكيف لا يوثق بما اتفق عليه أهل القرون الثلاثة، وهم خير القرون بشهادة صاحب الشريعة ) )اهـ.
قال سمير: وكلام الحافظ صريح في ترجيح مذهب السلف على غيره في الصفات، وأنه متفق على الإثبات لا التأويل، وهو مما يبين لك كذب المخالف حين زعم أن مذهب السلف هو التأويل.
وأنبه أيضًا، أننا لسنا بحاجة إلى نقل كلام الحافظ ابن حجر وغيره ممن نقلنا كلامه هنا في باب الصفات، فقد أغنانا الله - معشر السلفيين- بكلام الله وكلام رسوله ومقالات سلفنا، ولكننا نورد كلام الآخرين إلزامًا لخصومنا المعاصرين من أمثال هذا المدعي كذبًا وزورًا.
الوجه الثاني: أننا لا نسلم بأن السلف أوَّلوا أي صفة من الصفات، وما نقل عنهم من التأويل، مما زعمه المخالف، غاية ما فيه تفسير للنصوص بما يقتضيه السياق بحسب الاستعمال العربي، وفرق كبير بين أن يقال إن ابن عباس رضي الله عنهما وغيره أوَّلوا صفة الساق لله وأنكروا اتصاف الله عز وجل بها، وبين أن يقال: إن ابن عباس فسَّر معنى الساق في قوله تعالى [يوم يكشف عن ساق] بأنها الشدة. ومثله يقال في تفسير [فثم وجه الله] و [جنب الله] ونحوها من النصوص، وليس في واحد منها أنهم صرحوا بنفي الصفة أو أولوها، كما فعل المتأخرون الذين عمدوا إلى النصوص الصريحة التي لا تحتمل غير الصفة، فحكوا الخلاف في معناها، ثم رجحوا التأويل على الإثبات وعللوا ذلك بتعليلات كلامية عليلة.
وإليك كلام ابن القيم في رد ما زعمه المخالفون من تأويل ابن عباس لآية الساق. قال رحمه الله (( ليس في ظاهر القرآن ما يدل أن ذلك صفة لله تعالى، لأنه سبحانه لم يضف الساق إليه، وإنما ذكره مجردًا عن الإضافة منكَّرًا. والذين أثبتوا ذلك صفة كاليدين لم يأخذوا ذلك من ظاهر القرآن، إنما أثبتوه بحديث أبي سعيد الخدري المتفق على صحته، وهو حديث الشفاعة الطويل، وفيه(فيكشف الرب عن ساقه .. ) الحديث ... ))إلى آخر ما ذكره ابن القيم. انظر مختصر الصواعق [ص25] .
وأجاب ابن القيم كذلك عن النصوص الأخرى، التي ذكر فيها لفظ اليد وفسرت بغير الصفة، كقوله تعالى [مما عملت أيدينا] بأنها هنا ليست بمعنى اليد في قوله تعالى [خلقت بيدي] ، فلا تحتمل هنا غير الصفة.
المسألة الثالثة:
مذهب السلف في الصفات من أيسر المذاهب فهمًا وإدراكًا، فهو بعيد عن التعقيدات الكلامية التي لا يفهمها إلا من حذق فيها، وهم أقل من القليل. فأنت إذا سألت أميًا من عامة الناس وقلت له ماذا تفهم من سماعك لقول الله تعالى {أأمنتم من في السماء} وقوله {إليه يصعد الكلم الطيب} وغيرها من النصوص، لقال: أفهم أن الله في السماء في العلو، ولا يتعدى فهمه هذا، وهو عين ما صرَّح به علماء السلف، وهو الذي يقوله كل من لم يتدنس قلبه بشبهة المخالفين، فاستوى العالم والأمي في فهم ذلك وتقريره. وقل مثله في سائر النصوص المحكمة، التي جاء فيها ذكر الاستواء والوجه والعين واليد والضحك والنزول والمجيء وغيرها.