وأيّد السهروردي صحة القول بنسبة الصوفية إلى الصوف، وذكر أدلة كثيرة على فضائل لبس الصوف، وبالغ في مدح الصوفية حين اختاروا هذا الاسم. ثمّ ذكر الأسماء الأخرى والتي منها نسبتهم إلى أهل الصفة من فقراء الصحابة المهاجرين، ثم قال:"وهذا وإن كان لا يستقيم من حيث الاشتقاق اللغوي ولكن صحيح من حيث المعنى؛ لأن الصوفية يشاكل حالهم حال أولئك."
المبحث الثاني:نِشأة التَّصوف:
لا يعرف على وجه التحديد من بدأ التَّصوف في الأمة الإسلامية ومن هو أول متصوف، وإن كان الإمام الشافعي رضي الله عنه عندما دخل مصر قال:"تركت بغداد وقد أحدث الزنادقة فيها شيئًا يسمونه السماع". والزنادقة الذين عناهم الشافعي هنا هم المتصوفة، ( والسماع ) هو الغناء والمواجيد والمواويل التي ينشدونها، ومعلوم أن الشافعي دخل مصر سنة 199هـ، وكلمات الشافعي توحي بأنّ قضية السماع هذه قضية جديدة، ولكن أمر هؤلاء الزنادقة يبدو أنه كان معلومًا قبل ذلك ، بدليل أن الشافعي قال كلامًا كثيرًا عنهم كقوله مثلًا:"لو أن رجلًا تصوف أول النهار لا يأتي الظهر حتى يكون أحمق". وقال أيضًا:"ما لزم أحد الصوفية أربعين يومًا فعاد إليه عقله أبدًا". (1) ) وكل هذا يدل على أنه قد كان هناك قبل نهاية القرن الثاني الهجري فرقة معلومة عند علماء الإسلام يسمونهم أحيانًا بالزنادقة وأحيانًا بالمتصوفة .
(1) - تلبيس إبليس لابن الجوزي ص370 .