فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 476

فالصوفية قد دخلت عليهم الفلسفة من باب (التشبه بالإله على قدر الطاقة) فحاولوا إثبات تشبه العبد بالرب في الذات والصفات والأفعال, كما فعل الغزالي ومن تبعه في كتابه"المضنون به على غير أهله" (1) , ثمَّ جاء ابن عربي وتلامذته فقالوا بالوحدة المطلقة, لأنَّ الفلاسفة يقولون:الوجود الحقيقي هو للعلة الأولي (الله) لاستغنائه بذاته, فكل ما هو مفتقر إليه فوجوده كالخيال. ومن هنا نشأت نظرية"وحدة الوجود"عند ابن عربي وقد انطلقت ابتداءً مما يردده الصوفية بشكل عام من أن الموجود الحق هو الله سبحانه, ويعنون بذلك أن الموجودات والكائنات إنما هي صور زائفة ومجرد أوهام، وليست ذاتًا منفصلة قائمة بنفسها, فمثلها لا يستحق أن يطلق عليه الوجود الحقيقي, ولكنها حرِّفت عند ابن عربي عن مفهومها لدى الصوفية بحيث انتهى إلى القول بوحدة الوجود، فقال أن الوجود الحقيقي هو الله سبحانه, ولكننا نرى هذه الكثرة والتعدد قائمة أمام أعيننا فلا يمكن إنكارها، ومن ثم فهذه الموجودات كلها ليست سوى الله ذاته- تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا- وكلها مظهر من مظاهره وتجل من تجلياته, وليست آية من آياته كما مفهوم أهل السنة فحقيقة الرب إذن أنه وجود مطلق لا اسم له ولا صفة ولا يرى في الآخرة, وليس له كلام ولا علم ولا غير ذلك ولكن يُرى في الكائنات (2) ، فكل كائن هو الله والله هو كل كائن, فاتحد بذلك الوجود مع الخالق المعبود, وتم له ما أراد من هدم صرح التوحيد وكان هذا القول أشد شركًا من قول النصارى, إذ أن الكل في هذا التصور المريض إله يعبد.

(1) - ابن تيمية:درء تعارض العقل والنقل 5/82.

(2) - انظر البقاعي في كتابه:تنبيه الغبي 19/40، وابن تيمية في الإيمان الأوسط ص 132، الشوكاني في قطر الولي ص 190.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت