وصولًا إلى الاتجاه الراجح منها الذي يمكن أن يُتخَذ كأساس لتحديد مكان وقوع هذه الطائفة من الجرائم موضوع هذه الورقة بغية الوقوف على القانون الواجب التطبيق بشأنها.
وفقًا لهذا المعيار، ينعقد الاختصاص للمحكمة التي يقع في نطاقها النشاط الإجرامي، وليس مكان حصول النتيجة أو الآثار المترتبة عليه؛ بدعوى أن اتخاذ آثار الفعل كمناط لتحديد مكان وقوع الجريمة تكتنفه بعض الصعوبات؛ يمكن إجمالها في أنه معيار مرن وفضفاض، فضلًا عن أن معيار حصول النشاط أدعى إلى تيسير عملية الإثبات وجمع أدلة الجريمة، وأن المحكمة التي لها ولاية نظر الدعوى تكون قريبة من مسرح الجريمة. ناهيك أن الحكم الذي يصدر في الواقعة يكون أكثر فعالية ويسهل معه ملاحقة الجناة [1] .
ويضيف المؤيدون لهذا الاتجاه حججًا أخرى، منها أن حدوث الضرر في مكان معين مردّه في الغالب أسباب لا إرادة لمقترف السلوك فيها، وأن من شأن تطبيق قانون الدولة التي تحقق في نطاقها الضرر لا يتفق واعتبارات العدالة نظرًا لجهل الجاني بهذا القانون الذي يتم إعماله بحقه، وفي الغالب ليس ممكنًا العلم به؛ إذ حينما أقدم على ارتكاب الفعل الذي أتاه يعتقد مشروعيته وفقًا لقانون البلد الذي وقع فيه السلوك، وإذا به غير ذلك من منظور قانون البلد الذي تحقق فيه الضرر.
وقد حظي هذا الاتجاه بتأييد جانب كبير من الفقه سواء في فرنسا أو مصر، ليس هذا فحسب، بل اتجهت بعض التشريعات المقارنة إلى تبنيه، ومن هذا القبيل القانون الدولي الخاص النمساوي الصادر سنة 1979 والمجري الصادر في السنة ذاتها [2] .
على الرغم من الحجج التي ساقها مؤيدو المذهب الأول، فإن هذا الاتجاه تعرض لجملة من الانتقادات من جانب آخر من الفقه، وقد انصبّت هذه الانتقادات
(1) ـ انظر بشأن عرض هذا المبدأ: د. أحمد عبدالكريم سلامة، قانون حماية البيئة ـ دراسة تأصيلية في الأنظمة الوطنية والاتفاقية، الطبعة الأولى، منشورات جامعة الملك سعود ـ السعودية، 1418 هـ (1997) ، ص 535.
(2) ـ المرجع السابق، ص 588.