الضغط المعنوي ـ للتخفيف من القيود ـ في جدال بأن هذه المسألة أو تلك فيها خلاف بين العلماء، وأن الرقابة الشرعية لمصارف أخرى جوزتها، فتتنازل الرقابة الشرعية للمصالحة وأنصاف الحلول تحت هذا الضغط على خلاف ما ترجح لها أنه الصواب، وبذلك تفقد الرقابة موضوعيتها واستقلاليتها ومصداقيتها.
والمسئولون عادة يحاجون الرقابة الشرعية التي لديهم بالآخرين الذين يخففون من القيود الشرعية، بحجة التوسع في تقديم الخدمات للناس كافة، وبحجة الضمانات، والحفاظ على أموال المستثمرين المودعين، وكأن السعي إلى المعيار الأضبط والأمثل هو الذي يعرض أموال المستثمرين إلى الضياع، ولا شك أن هذا غير صحيح، بدليل أنك تجد كثيرا من المؤسسات الإسلامية الأخرى التي تطبق المعيار الأضبط والأمثل تُبعد به التعامل عن شبح الربا وفساد العقود ـ تجدها تحقق نجاحا كبيرا قد يفوق المؤسسات الإسلامية المتساهلة المتخففة.
ومن المعوقات الشائعة التي تعترض كلا من المسئولين في الصرافة الإسلامية والرقابة الشرعية معا، القوانين المعمول بها في الدولة أحيانا فيما يخص مصلحة الجمارك أو الضرائب، كما في عدم قدرتهم على تفادي الازدواج الضريبي على السلعة الواحدة في بيع المرابحة المحلية، وكما في اشتراط هيئة الجمارك أن تكون المستندات الصادرة من المُوَرِّد باسم العميل لا باسم المصرف، كما في عقود المرابحة الاستيرادية، بحجة أن المصرف غير مرخص له في الاستيراد، وهذا الشرط الذي يجعل المستندات باسم العميل لا باسم المصرف يفسد عقد المرابحة، ويحول العقد إلى تمويل ربوي بفائدة، وهيئة الجمارك ـ سواء صدرت المستندات باسم المصرف أو باسم العميل ـ مواردها ثابتة لا تتأثر، فلا تفقد شيئا، لكن عدم سن قوانين تحمي الصرافة الإسلامية يجعل التعارض قائما عند التطبيق الشرعي لكثير من المنتجات.
وسن القوانين التي تحمي الصرافة الإسلامية يتطلب من المسئولين على العمل الإسلامي المصرفي ومن كل الغيورين على تصحيح معاملات الناس ومن المسئولين في المؤسسات القانونية والإدارية وفي اللجنة الشعبية العامة، وأمانة الاقتصاد، ومصلحة الضرائب والجمارك، أن تتكاثف جهودهم ويبذلوا ما في وسعهم لإيجاد مخارج قانونية للعمل المصرفي الإسلامي، لتطييب الأموال وتجنيبها الربا، الذي يخرب البلدان ويؤذن بحرب الله تعالى لعباده.
فإن ذلك مسؤوليتهم أمام ربهم، كل في موقعه، ليس لأحد عند الله عذر إن قدر على شيء من ذلك ولم يفعله.
الرقابة الشرعية الداخلية بالمصرف ـ وأنا أتكلم على التجربة المحلية ـ لا تزال خجولة ليس لها دور حقيقي في الضبط والمتابعة والتصحيح.