الصفحة 22 من 27

هرم الطبقية المجتمعية، وتضمن للجميع قوة قرار متماثلة في «التجارة الدولية» ، وتعطي لكل حق التمتع بالسيادة كطرف ضمن معادلة «السوق العالمية» بحسب ما تتيحه له تلك الميزة من قوة تفاوض تنافسية.

أيضًا، يمكن القول أن فكرة «الاعتماد المتبادل» التي تعبر إيجابيًا على تعاظم معدل «التأثير والتأثير» بين اقتصاديات «السوق العالمية» بشكل مستقل عن نظرية «التبعية الاقتصادية» ، وفي ظل وضع من دون التطرق لمفهومي «المراكز» و «الأطراف» ، قد شكل كذلك شعارًا قويًا غذى ولفترات طويلة خطابات دعاة «العولمة: تحرير التجارة الدولية» بنمط التنازل الطوعي عن قيود نظم «الحمائية التجارية» وغيرها.

إن الكلام السابق مفرط من حيث النظر إليها من الجانب المشرق، فـ «ترومان» بالغ في صيحته، وفرضيات «الميزة الاقتصادية» فكرية فلسفية يفصل بينها والواقع قدرة «رأس المال» ورغبة في السيطرة وتوسيع قاعدة الربح لديه. أما «الاعتماد المتبادل» فلا نعتقد أنه يمكن تجسيده بين أطراف يبلغ معدل «التماثل الاقتصادي» بينها الصفر ويشكل «رأس المال» بعقيدته أساس السلوك التجاري للسياسة الاقتصادية مع الطرف الأقل تقدمًا.

نعم، لقد نجحت «الرأسمالية» في مرحلتها الراهنة المسماة «العولمة» في تفكيك بنى الاقتصاديات التي كانت منغلقة على ذاتها، وتمكنت من رفع معدل «الاعتماد المتبادل» إلى أقصى مدياته ولكن في صورة نظرية تبعية بين المركز والمحيط، وضمن مشهد لا يمت بأية صلة للجانب المشرق لـ «الميزة الاقتصادية» أو المرجعية النظرية لفكرة «الاعتماد المتبادل» واستطاعت «الرأسمالية الجديدة» إحلال نظام «السوق العالمية» الذي لا يعترف بـ «الدولة» محل «السوق الدولية» المرتكز في علاقاته على وجود سيادة قوية ومقررة لـ «الدولة» . وجددت بذلك «الرأسمالية» نفسها في مراكزها، بقدر ما أعاقت تشكل بعضٍ من مستوياتها في الدول الضعيفة والنامية، الشيء الذي شكل طرحًا جديدًا يقوم على جدلية وهم «التنمية العادلة» التي تروج لها «العولمة» . فاليوم نحن نعيش واقع «سوق عالمية عرجاء» بين «الشمال» و «الجنوب» و «سوق وطنية عرجاء» بين «الأثرياء» و «الفقراء» ، وهو واقع يصبح فيه الفقراء (دولًا أو أشخاصًا) أكثر فقرًا، والأغنياء (دولًا أو أشخاصًا) أكثر ثراءً، وتحول فيه نمط الفاقة من «دول فقيرة فقط» في تشكيلة «النظام العالمي» إلى «أشخاص فقراء في كل مكان من العالم» .

الأرقام العاكسة للكلام السابق ليست بجديدة، فظاهرة «ثنائية الحياة» فطرية وعريقة في القدم ولكن شكلها العولمي الراهن أضفى عليها سمات لم تكن بها من قبل،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت