للملائكة من ذلك أنهما يعلمان سر يقين العبد .
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"إن الملك يقول: رب ، ذلك عبدك يريد أن يعمل سيئة ،"
قال: ارقبوه فإن عملها ..."."
وقد قال الله في غير هذا الموضع: (وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ(10) كِرَامًا كَاتِبِينَ (11)
يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (12) . وكل نون عبر بها عن علم أو عمل أو
مفيد أمر فهو عبارة عنه وعن الملائكة الذين جعل لهم ذلك لذلك .
قال: (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ(18) . أي: حاضر رقيب ،
بمعنى: مراقب ، وقعيد بمعنى: مقاعد .
قوله - جلَّ جلالُه -: (وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ...(19) . معناه جاءت سكرة الموت بما فيها
من معاينة وبما بعدها ، وهو من الحق الواجب على كل عند الإيمان بوجوده
والشهادة به ، وقرأها أبو بكر:"وجاءت سكرة الحق بالموت"(ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ
تَحِيدُ)أي: تنفر .
أتبع ذلك ما هو من الحق قوله تعالى: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ(20)
وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ (21) .
ثم قال يعني الكافر والغافل عن مقام ربه: (لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا
عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (22) . غطاء الجهل والغفلة في هذه الحياة ،
اعلم أنه من كان بصره في هذه الحياة الدنيا حديدًا رأى هذا الحق المشهود به
بشهادة الحق كله أو جله وهو عمدة الوجود ، بل هو من الموجودات بمثابة النقطة
من الخط بها مبدؤه وبها اتصاله وبها انتهاؤه ، كذلك الله - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه هو
الأول في كل موجود وهو الآخر وهو الظاهر فيه وهو الباطن ، فافهم - فهمنا الله
وَإياك - وقف على هذا ومبينة جدًّا ، فمتى أحكمته لم تر شيئًا غيره ، وكان المفعول
على هذا التحقيق هو كالغرض والمطلوب كالجوهر (وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى) في
السماوات والأرض (وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(60) .
نظم بذلك قوله الحق: (وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ(23) . هذا القرين