الصفحة 129 من 472

فيؤدي ذلك إلى زيغ قلوبنا بعد الهداية كما تقدم بيانه (1) في قوله سبحانه (... ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا...) ، وإما أن يكون المراد بذلك ألا يعدل بهم عن زيادة الهدى والالطاف في هذا الباب. 10 - والذي اقوله في ذلك: إن من اصلنا رد المتشابه من الآي إلى المحكم منها، كما بينا اولا، وقد ورد في القرآن من ذكر الازاغة ما بعضه محكم وبعضه متشابه، فيجب رد متشابهه إلى محكمه - على الاصل الذي قررناه -، فالمتشابه من ذلك قوله سبحانه ههنا: (ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا) ، وهذا لا يجوز أن يكون محمولا على ظاهره، لأنه يقودنا إلى أن نقول: إن الله سبحانه يضل عن الايمان، وقد قامت الدلائل على أنه سبحانه لا يفعل ذلك لأنه قبيح، وهو غني عنه، وعالم باستغنائه عنه، ولانه تعالى أمرنا بالايمان وحببنا إليه، ونهانا عن الكفر وحذرنا منه، فوجب ألا يضلنا عما أمرنا به، ولا يقودنا إلى ما نهانا عنه، وإذا لم يكن ذلك محمولا على ظاهره فاحتجنا إلى تأويله على الوجوه التي قدمنا ذكرها، فهو متشابه، لأن من صفة المتشابه ألا يقتبس علمه من ظاهره وفحواه، فوجب رده إلى ما ورد من المحكم في هذا المعنى، وهو قوله تعالى: (فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم) . فعلمنا ان الزيغ الأول كان منهم، وأن الزيغ الثاني كان من الله سبحانه على سبيل العقوبة لهم، وعلمنا أيضا أن الزيغ الأول غير الزيغ الثاني، وأن الأول

(1) في سورة البقرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت