الصفحة 152 من 472

فصل (معنى النصر والخذلان من الله تعالى) وأما قوله تعالى: (والله يؤيد بنصره من يشاء) فربما تعلق به متعلق، فقال: إذا أضاف تعالى النصر إلى نفسه فيجب أن يكون من فعله، حتى أن الغالب تكون غلبته بنصر الله، والمغلوب تكون صرعته بخذلان الله، وهذا خلاف مذهبكم ! فالجواب: أنا قدمنا في صدر هذا الكتاب من الكلام في حقيقة النصر والخذلان، ما يغني عن تكلف إعادة شيء منه، إلا أننا لا نخلي هذا الموضع من يسير من القول في ذلك: يبلغ قدر الكفاية، ويقيم عمود الحجة بتوفيق الله، فنقول: إن النصرة قد تكون بالحجة إذا ظهرت للمؤمن على عدوه عند المنازعة، وقد تكون بما يحصل له من التعظيم والكرامة، وللكافر من الادالة (1) والاهانة، وقد تكون في الحرب بالظفر والغلبة، وقد تكون بتحمل المشقة فيما يؤدي إلى الاجر والمثوبة، فلذلك قلنا: إن المؤمنين إذا غلبوا في الدنيا لم يخرج الكفار مع ذلك من ان يكونوا مخذولين، من حيث كان ما فعلوه مؤديا إلى عظم النكال، وأليم العقاب، ولم يخرج المؤمنون من أن يكونوا منصورين، من حيث كانوا يستحقون من الله تعالى

(1) : الغلبة

الثواب الجزيل والمقام الشريف، والله تعالى يؤيد المؤمنين في حروب الاعداء، وينصرهم بضروب من الالطاف: فتارة ينصرهم بأن يمدهم بالملائكة، وتارة ينصرهم بأن يخطر ببالهم ما أعد لهم من نعيم الجنة، فتقوى بذلك أنفسهم، وتثبت أقدامهم، ويتضاعف إقدامهم، وقد يؤيدهم أيضا بالقاء الخوف في قلوب أعدائهم، فيكون ذلك سببا لتمكين المؤمنين من نواصبهم، وإنزالهم من صياصيهم (1) . وربما علم تعالى في بعض المواطن أن الصلاح في ألا يؤيدهم بشئ من ذلك، فيحملهم التكليف الصعب، ويلزمهم الشاق من الامر، إذا علم تعالى أن فيه الصلاح لهم، فلا يكون مؤيدا لهم في باب الظفر والغلبة، وإن كان فاعلا بهم الأولى في باب المصلحة، وما ذكرناه في هذه المسألة كاف بتوفيق الله تعالى.

(1) القصور.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت