الصفحة 184 من 472

من هذا العارض اليسير والالم القليل !. فقال: ذاك عقاب المخلوقين، وهذا عقاب الخالق، فلا صبر على شيء منه قليلا كان أو كثيرا. فقد بان الفرق بين عقوبة الله تعالى وعقوبة عباده، وظهرت فائدة الاختصاص بتخويف العقوبة من قبله تعالى في قوله: (ويحذركم الله نفسه) . وقد قيل: إن معنى ذلك ويحذركم الله إياه، لأن نفس الشيء هو الشيء، كقول القائل: نزلت بنفس البلد وفي نفس الجبل، وعلى ذلك معنى قوله تعالى: (تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك...) [ 1 ] ، أي: تعلم ما أغيبه، ولا أعلم ما تغيبه، وقد قيل: تعلم ما عندي، ولا أعلم ما عندك، وقال الشاعر في نحو ذلك (وهو: أعشى بني قيس) : يوما بأجود نائلا منه إذا * نفس البخيل تجهمت سؤالها والمعنى: إذا البخيل تجهم سؤاله، لأن النفس لا تجهم، وإنما يتجهم صاحبها. وكذلك معنى قوله تعالى: (ويبقى وجه ربك...) [ 2 ] و (كل شيء هالك إلا وجهه..) [ 3 ] معناه: ويبقى هو، وكل شيء هالك إلا هو، وعلى هذا قول الرجل لصاحبه: إني لاكرم وجهك عن هذا، ولم يستح فلان من وجهي، أي: لم يستح مني، وعلى هذا قول الشاعر: بوجهك عن مس التراب مضنة * فلا تبعدي، فكل حي سيعطب وانما أراد: بك عن مس التراب وبجملتك، فعبر بالوجه عن

(1) المائدة: 116. (2) الرحمن: 27. (3) القصص: 88.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت