بالحق ولا تبالي بأحد، فقل لنا: أيجوز أن تعطى جزية لقيصر أم لا؟ فعلم يسوع خبثهم وقال: لماذا تجربونني يا مراؤون، أروني معاملة الجزية، فقدموا له دينارًا، فقال لهم: لمن هذه الصورة والكتابة؟ قالوا له: لقيصر، فقال لهم أعطوا إذن ما لقيصر لقيصر وما لله لله، فلما سمعوا تعجبوا وتركوه"اهـ"
وهكذا شأن أعداء الرسل وخصوم الإيمان في كل زمان، يسعون في الإيقاع بالمؤمنين، ويحاولون إثارة السلاطين عليهم بما يدركون من افتراق طريق الإيمان وطريق السلطان، يفعلون ذلك لحرمان أهل الإيمان من الاستفادة من هدوء الحال لتمضي الدعوة في خطة تكوين طلائع الإيمان وتربيتهم لحمل الأمانة وتبليغ الرسالة، ونشر هدايتها في الناس.
ويعلق المؤلف على هذه القصة فيقول: كان المسيح عليه السلام وأتباعه قلة مضطهدة تتبنى دعوة جديدة ناشئة، فلم يكن في مقدورها أن تصطدم بالامبراطورية الطاغية وتواجهها بعداوة سافرة، ولم تكن هذه المواجهة مطلوبة منها وهي لا تزال في طور الدعوة - يقابل ذلك في الإسلام فترة ما قبل فرض الجهاد - وهذا الطور يقتضي الالتزام بمبدأ"كفوا أيديكم"كيلا يستثار عدو باطش فيفتك بالدعوة في مهدها.
ثم يقول: فالمسيح عليه السلام - لو صحت العبارة - وافق على إجراء مؤقت تقتضيه ضرورة الواقع وطبيعة الدعوة المرحلية.
ثم أشار إلى نظائر ذلك في مراحل الدعوة في السيرة النبوية.
ويمضي المؤلف في استعراض ما عمدت إليه الكنيسة الزائغة من عبارات موهمة تنسبها الأناجيل إلى المسيح، وهي عبارات قيلت مجازًا أو رددت في ظروف مؤقتة وملابسات خاصة، وإنما قصدت الكنيسة أن تقرر بهذه العبارات قواعد أصولية تؤسس عليها دينها المحرف دون مراعاة لمنطق الاستدلال ومقتضى التحقيق العلمي.
وكان من هذه العبارات التي نسبوها إلى المسيح عليه السلام أيضًا:"مملكتي ليست من هذا العالم"