فهرس الكتاب
كان سلفنا الأول يجيد النطق من غير أن يعرف النحو، وكان يجيد التفكير والاستنتاج من غير أن يدرس المنطق. ثم نشأت علوم الدين واللغة مع الحاجة إليها. وظهر التصوف مع ما ظهر من دراسات، وإن كان قد نشأ سلوكا ونمطا في الحياة قبل أن يكون علما ينتمى إلى أسرة العلوم الدينية. ولما كان الإسلام ينبع من أصول معروفة، هى كتاب الله وسنة رسوله، فإن أى علم من علومه محكوم طوعا أو كرها بهذه الأصول. وليس يتصور أن يتضمن أحد هذه العلوم شيئا مخالفا لتلك المصادر القائمة المهيمنة، إلا إذا تصورنا أن علم النحو يتضمن رفع المفعول ونصب الفاعل مراغما بذلك تراث اللغة كله!. والذى يدعونا إلى هذه التقدمة أن التصوف نزعة إنسانية عامة، تلتقى فيها الطبيعة النفسية لبعض الناس مع طبيعة الإيمان العميق بأى دين!. نعم، إن هناك ناسا"فنانين"بأصل الخلقة، يولدون ولهم شعور طافح، وخيال وثاب، وفناء فيما يعتقدون.. والأرض كذلك مليئة بالمخطئين الذين يظنون أنفسهم على صواب، بل الذين يظنون وهمهم هو الحق المبين وحق غيرهم هو الوهم المبين. ومن هنا وجدنا متصوفين بين الهنود الذين يعبدون آلهة شتى، ومتصوفين بين أهل الكتاب الذين خلطوا إيمانهم بالشرك وخطوا لأنفسهم نهجا في العبادة لا يتفق مع الوحى.. ولكى نحرر الكلام في التصوف الإسلامى، نرى لزاما علينا أن نعرض نماذج للتصوف الزائغ حتى يتبين الرشد من الغى. أمامى صورة لناسك هندى مشهور باسم"راما كريشنا"يعد من أعظم نساك الهند، بل إن حياته، كما يقول الدكتور محمد غلاب، من أكمل حيوات الصوفية وأشدها أثرا وأبعدها تغلغلا في أعماق القلوب. ولهذا يقول عنه الأديب الفرنسى الكبير"رومان رولان":"إن"راما كريشنا"تتويج لجهود آلاف السنين في سبيل ترقية الحياة الباطنية لمئات الملايين من الهنود، إذ كان ص _129"