فهرس الكتاب
المختار في خبر كان، تولى قيادة العالم جنس جديد، أو دم جديد، قوامه أمة تقدس الحق، وتصون آياته، وترفع في الأرض راياته. وفى هذه الأمة المختارة على أنقاض الماضى البعيد وذكرياته، يقول الله جل شأنه: (ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير ) وظاهر من صدر الآية أن الأمة الإسلامية مصطفاة من بين الأم، وأنها مسئولة عن الميراث النفسى الذى آل إليها، وأن تبعاتها أمام الله جسيمة، بإزاء هذا الاختيار الأعلى، وأمام الكتاب الضخم الذى اختتم به الوحى، ووكل إليها درسه ونشره، وكلفت أن تحيا به، وتحيا له... نعم، أن أمتنا ورثت منصب الرسالة بعد موت الرسول، لأنها ورثت الكتاب الذى جاء به ليخرج الناس من الظلمات إلى النور. وواجبها الأكبر، بل لب وجودها أن تقود باسم الله قافلة البشر قيادة يحفظ على العالم الهدى والتقى والعفاف والغنى، وتقى حضارته الزيغ والأثرة والعدوان والضر. ولا يجوز لشعب ما أن يزعم أنه مختار من السماء لمعنى مبهم، أو تفضيل مجرد، فهذا كذب على الله، وانما تفضل أمة غيرها بمدى ما تملك من قدرة على النفع، ورحمة للعالمين. وأسلافنا الأوائل أسدوا للحياة أيادى بيضاء جعلتهم طليعتها المرموقة قرونا عددا.. ثم وهنت الكواهل والضمائر عن حمل اللواء، فأصابنا ما أصابنا.. ولكى ننهض بوظيفتنا العتيدة يجب أن نستجمع خلالا عدة، وأن نسابق الزمن حتى نغطى فترة التخلف الماضية حتى نصل قبل أن يستمكن العميان من قيادة الدنيا إلى الهاوية. ومرة أخرى نلفت الأنظار إلى معنى الخلق بالقرآن، إن الأخلاق ، كما قيل، هى اللغة العالمية التى يستطيع أهل الأرض على اختلاف ألسنتهم أن يتعارفوا بها-. ولقد يلتقى رجلان لا يفهم أحدهما لغة الآخر، ولكن تنعقد بينهما مودة غالية، لأن المسلك الرفيع ربط بين قلبيهما. ص _199