الصفحة 83 من 253

إن هجرات الأحياء على ظهر الأرض كثيرة، بل إن الطيور في الأجواء، والأسماك في المحيطات تقطع مسافات كبيرة وراء غاياتها المادية المحدودة. لكن الهجرة التى علت بها أقدار، وخلد بها أقوام، تلك التى قامت ودامت ببواعث الإيمان المحض، والغضب لله والارتباط بتعاليمه، والعيش بها أو الموت دونها. ومع أن الوحى الأعلى لقن المؤمنين أن رسالتهم ستستقر، ورايتهم ستعلو، وأن الكفر سيذوب، وينخذل حزبه، إلا أنه علق أفئدتهم بالمستقبل البعيد، أعنى الدار الآخرة وما حوت من ثواب وعقاب،"فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون * أو نرينك الذي وعدناهم فإنا عليهم مقتدرون * فاستمسك بالذي أوحي إليك إنك على صراط مستقيم * وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون". ولهذه الآيات معنى ينبغى أن نقف عنده طويلا. فإن المؤمن المجاهد قد يترك هذه الحياة دون أن يعرف نتائج الصراع المحتوم بين الهدى والضلال. وهذا جائز، بل كثير الوقوع. لأن انتصار الحق ربما اقتضى هذا المؤمن نفسه أن يقدم حياته، فيكون استشهاد غيره من المؤمنين الجسر الذى تعبر عليه المبادئ وتشق طريقها إلى مستقبل وطيد. لكن هل ذهاب عدد قل أو كثر من أهل الإيمان يفيد الضالين شيئا؟ كلا، إن الانتقام الإلهى لاحق بهم يقينا. ولذلك يؤكد القرآن الكريم هذه الحقيقة:"فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون * أو نرينك الذي وعدناهم فإنا عليهم مقتدرون". والخطة المثلى أن يؤدى الإنسان واجبه المجرد دون استعجال! لمصير ما في هذه الدنيا، وألا يتعلق بالفوز الشخصى له أو الاندحار الشخصى لخصومه. فمن يدرى؟ ربما رشد هؤلاء الخصوم يوما، وتحولوا إلى الإيمان الذى جحدوه من قبل!.. وفى أعقاب أحد، ومع مرارة الهزيمة التى أصابت المسلمين، يبين الله لنبيه هذه الحقيقة فيقول:"وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم * ليقطع طرفا من الذين كفروا أو يكبتهم فينقلبوا خائبين * ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم". ص _094

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت