فهرس الكتاب
وعندما يرتفع الإيمان بالغيب إلى هذه القمة الراسخة، فإن أصحابه منتصرون بمبادئهم حتما وناشروها في الحياة نشرا لا يدركه طى، ومكتسحون ما يضعه المبطلون أمامهم من عوائق. والمستقبل الذى تنتصر فيه الرسالة وينتصف فيه أصحابها يتكون من جزأين أحدهما قريب والآخر بعيد. أما القريب ففى هذه الدنيا وعلى أرض الميدان الذى تدور فيه المعارك.. أما البعيد فعند الله حيث تنكشف خبيئات النفوس، وينال المحقون والمبطلون جزاءهم العدل. وفي المرحلتين كلتيهما يقول الله تعالى:"أم يقولون نحن جميع منتصر * سيهزم الجمع ويولون الدبر * بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر". وجاء في سورة أخرى:"إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد * يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار". والمسلمون الأوائل لم تنقصهم الثقة في مستقبل الدعوى التى آمنوا بها، وكل ما عناهم أن ينهضوا بحقوق الدين الذى اعتنقوه، وأن يثبتوا على صراطه المستقيم مهما تكاثرت المحن وترادفت الفق. من أجل ذلك هاجروا لما اقتضاهم ا لأمر أن يهاجروا، وخاضوا غمرات الحروب لما كلفهم الحق أن يبذلوا النفس والمال. ولو شققت من ضمائر القوم لوجدت الهجرة عندهم أشبه بانتقال الموظف اليوم إلى بلد اتصل فيه رزقه أو نال فيه ترقية!. غاية ما هنالك من فرق أن هذا مسلك بدت فيه بواعثه المادية التى تواضع الناس على الاحتفال بها.. أما المهاجرون الأوائل فهم ينتقلون من بلد إلى بلد إقامة لدين مضطهد، ويعاملون رب العالمين وحده حين يحلون وحين يرتحلون، ويستيقنون من رضوانه، تعبوا أم استراحوا. * * * ص _093