فهرس الكتاب

الصفحة 121 من 1101

و الدلالة العقلية لا تختلف شاهدا أو غائبا فلا يمكنك أن تثبت له سبحانه بالعقل صفة أو فعلا إلا بالقياس المتضمن قضية كليه إما لفظا كما في قياس الشمول و إما معني كما في قياس التمثيل.

فإذا كنت لا يمكنك إثبات الصانع و لا صفاته إلا بالقياس الذي لابد فيه من إثبات قدر مشترك بين المقيس و المقيس عليه و بين أفراد القضية ولم يكن هذا عنك تشبيها ممتنعًا، فكيف تنكر معاني ما وصف الله به نفسه ووصفه به نفسه ووصفه به رسوله - صلى الله عليه وسلم - و حقائقه بزعمك أنه يتضمن تشبيهًا و هذا من انفع الأشياء لمن فهم فأن الله أخبر في كتابه بما هو عليه من أسمائه و صفاته و لابد من الأسماء المشتقة المتواطئة من معنى مشترك بين أفرادها فجحد المعطلة حقائقها لما زعموا فيها من التشبيه الذي فروا منه لا في جانب النفي و لا في جانب الإثبات فهم منكرون ما جاءت به الرسل بما هو من نوعه أو دونه ، و هذا غاية الضلال فليتأمل ذلك (1)

(1) قال مقيده غفر الله له ولوالديه: للشيخ محمد بن صالح العثيمين ' توضيح على ذلك أذكره بطوله وشرحه للدكتورة كاملة الكواري_ حفظها الله - عز وجل - _ للفائدة ( القاعدة الأولى صفات الله كلها صفات كمال لا نقص فيها بوجه من الوجوه كالحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والرحمة والعزة والحكمة والعلو والعظمة وغير ذلك(2) وقد دل على هذا السمع والعقل والفطرة

أما السمع: فمنه قوله تعالى: { للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم } [ النحل: 60] والمثل الأعلى هو الوصف الأعلى .

تعليق د كاملة الكواري:

والشاهد من الآية هو قوله { ولله المثل الأعلى } أي الوصف لأن المثل من بين إطلاقاته الوصف كما قال تعالى { مثل الجنة التي وعد المتقون } أي وصف الجنة (وانظر في ذلك كتاب أمثال القرآن لعبدالرحمن حبنكة الميداني ص 33) - وللمثل معان أخرى - و يطلق المثل على عدة أمور:

تشبيه شيء بشيء لوجود عنصر تشابه أو تماثل بينهما .

المثل بمعنى النموذج من ذي أفراد متعددة لنوع من الأنواع أو عمل من الأعمال أو سنة من سنن الله نظرًا إلى التشابه الموجود بين أفراد النوع الواحد

تطلق كلمة المثل ويراد منها وصف الشيء. انظر أمثال القرآن للميداني ص 19 وما بعده ، والأمثال في القرآن للدكتور محمد جابر العلواني ص 25 وما بعده ، وأمثال الحديث للدكتور عبد المجيد محمود ص 79 ، وأمثال الحديث للرامهرمزي طبعة الدار السلفية في بومباي .

وأما المثل الأعلى ففيه خمسة أقوال:

الأول: أن المثل الأعلى هو كلمة الإخلاص لا إله إلا الله.

الثاني: أنه الإخلاص والتوحيد .

الثالث: أنه ما ضربه الله لنفسه من الأمثال كقوله تعالى: { الله نور السموات والأرض } [ النور: 35] .

الرابع: أنه هو الأطيب والأفضل والأحسن والأجمل وذلك التوحيد والإذعان له بأنه لا إله إلا الله وهو قول إمام المفسرين ابن جرير الطبرى.

الخامس: أنه الصفة العليا ، والمثل كثيرًا ما يرد بمعنى الصفة وقد رجح هذا القول شمس الدين ابن القيم فقال: ( المثل الأعلى يتضمن الصفة العليا وعلم العالمين بها ووجودها العلمي ، والخبر عنها وذكرها وعبادة الله بواسطة العلم والمعرفة القائمة بقلوب عابديه وذاكريه بها )

انظر: مختصر الصواعق للموصلي ص 16 ، وشرح الطحاوية ص 96 والقواعد الكلية لليربكان ص 293

قياس الأولوية (الأولى)

ذكرنا في الملحق أن القاعدة التي ذكرها المؤلف وهي أن للمخلوق صفات كمال وهي من الله فمعطي الكمال أولى يسمى بقياس الأولوية وذلك أن القياس ثلاثة أنواع كما ذكر المؤلف في شرح الواسطية ( 1/98) : القياس ينقسم إلى ثلاثة أقسام: قياس شمول ، وقياس تمثيل ، وقياس أولوية فهو سبحانه وتعالى لا يقاس بخلقه قياس تمثيل ولا قياس شمول

قياس الشمول: هو ما يعرف عندنا بالعام الشامل لجميع أفراده بحيث يكون كل فرد منه داخلًا في مسمى ذلك اللفظ ومعناه فمثلًا إذا قلنا الحياة فإنه لا تقاس حياة الله تعالى بحياة الخلق لأن الكل يشمله اسم"حي"

قياس تمثيل: بمعنى أن نجعل ما يثبت للخالق مثل ما يثبت للمخلوق

قياس الأولوية: وهذا يقول العلماء أنه مستعمل في حق الله لقوله تعالى:"ولله المثل الأعلى [ النحل: 60] بمعنى كل صفة كمال فلله تعالى أعلاها السمع والبصر والعلم والقدرة والحياة والحكمة وما أشبهها موجودة في المخلوقات لكن لله أعلاها وأكملها ولهذا أحيانًا نستدل بالدلالة العقلية من زاوية القياس بالأولى فمثلًا نقول: العلو صفة كمال في المخلوق فإذا كان صفة كمال في المخلوق فهو في الخالق من باب أولى وهذا دائمًا نجده في كلام العلماء ."

إذًا: يمتنع القياس بين الله وبين الخلق للتباين بينهما وإذا كنا في الأحكام لا نقيس الواجب على الجائز أو الجائز على الواجب ففي باب الصفات بين الخالق والمخلوق من باب أولى . لو قال لك قائل: الله موجود والإنسان موجود وقال وجود الله كوجود الإنسان بالقياس فنقول لا يصح لأن وجود الخالق واجب ووجود الإنسان ممكن

فلو قال: أقيس سمع الخالق على سمع المخلوق نقول: لا يمكن ، سمع الخالق واجب لا يعتريه نقص وهو شامل لكل شيء وسمع الإنسان ممكن إذ يجوز أن يولد الإنسان أصم والمولود سميعًا يلحقه نقص السمع وسمعه محدود إذًا: لا يمكن أن يقاس الله بخلقه فكل صفات الله لا يمكن أن تقاس بصفات خلقه لظهور التباين العظيم بين الخالق وبين المخلوق ا . هـ

وقال ابن القيم في مفتاح دار السعادة (2/475) : كل كمال ثبت للمخلوق غير مستلزم للنقص فخالقه ومعطيه إياه أحق بالاتصاف به وكل نقص في المخلوق فالخالق أحق بالتنزه عنه كالكذب والظلم والسفه والعيب بل يجب تنزيه الرب تعالى عن النقائص والعيوب مطلقًا وإن لم يتنزه عنها بعض المخلوقين ا.هـ

ويعبر عن هذه القاعدة بأكثر من صيغة:

الأولى: أن يقال: إذا كانت نفس المخلوق وهو محدثة ناقصة متصفة بأنها حية عالمة قادرة سميعة بصيرة فإن الرب المعبود الأول والآخر والظاهر والباطن أولى بأن يكون حيًا عالمًا قادرًا سميعًا بصيرًا

الثانية: أن يقال: إذا كان سلب الصفات مثل الحياة والعلم والسمع والبصر يعتبر نقصًا في المخلوق المحدث فلأن يعتبر ذلك نقصًا في الخالق أولى

الثالثة: أن يقال: إذا كانت الغفلة عيبًا ونقصًا في المخلوق المربوب الناقص بذاته فلأن تكون نقصًا في حق الخالق المدبر الغني بذاته أولى 0

بقى أن نذكر أمرًا مهمًا في هذه القاعدة وهو أنه يشترط في الكمال الثابت بقياس الأولى:

كونه كمالًا وجوديًا إذ لا كمال في العدم المحض

كونه ممكن الوجود في خارج الذهن إذ ما ليس كذلك فهو في حكم العدم إذ المجردات العقلية لا وجود لها في الخارج

أن يكون لا نقص فيه بوجه من الوجوه فإن كان فيه نقص لم ينسب إلى رب العالمين كالنوم والأكل فإنه كمال في الإنسان لكنه لا ينسب إلى الله لما يستلزمه من عدم كمال الحياة .

أن يكون غير مسلتزم للعدم فإن استلزمه لم يوصف به كالنوم فإنه مستلزم لعدم الحياة ا.هـ من القواعد الكلية للأسماء والصفات للبريكان

وقال شيخ الإسلام في درء تعارض العقل والنقل (1/30) :

ومثل هذه الطرق هي التي كان يستعملها السلف والأئمة في مثل هذه المطالب كما استعمل نحوها الإمام أحمد ، ومن قبله وبعده من أئمة أهل الإسلام وبمثل ذلك جاء القرآن في تقرير أصول الدين في مسائل التوحيد والصفات والمعاد ونحو ذلك

وقال شيخ الإسلام في بيان تلبيس الجهمية ( 2/543) ثم احتج الإمام أحمد بحجة أخرى من الأقيسة العقلية قال:

فمن ذلك: قال الإمام أحمد:"ووجدنا كل شيء أسفل منه مذمومًا يقول الله جل ثناؤه: { إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار } وقال: { وقال الذين كفروا ربنا أرنا اللذين أضلانا من الجن والإنس نجعلها تحت أقدامنا ليكونا من الأسفلين } "ا .هـ

وهذه الحجة من باب ( قياس الأولى ) وهو أن السفل مذموم في المخلوق حيث جعل الله أعداءه في أسفل سافلين وذلك مستقر في فطر العباد ، حتى إن أتباع المضلين طلبوا أن يجعلوهم تحت أقدامهم ليكونوا من الأسفلين وإذا كان هذا مما ينزه ويقدس عنه المخلوق ويوصف به المذموم المعيب من المخلوق فالرب تعالى أحق أن ينزه ويقدس عن أن يكون في السفل أو يكون موصوفًا بالسفل هو أو شيء منه أو يدخل ذلك في صفاته بوجه من الوجوه بل هو العلي الأعلى بكل وجه ا .هـ

وذكر شيخ الإسلام في كتابه المذكور أمثلة أخرى مهمة على هذه القاعدة وأتى بفوائد تستحق الرحلة إليها إلى أبعد مكان فلتطلب من مكانها .ا.هـ (المجلى في شرح القواعد المثلى ص 180:169) بتصريف

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت