فهرس الكتاب

الصفحة 259 من 1101

-إن الإسلام قبل أن يستأصل هؤلاء المجرمين ، ويقرر عليهم العقوبات الرادعة ؛ قد أعذر إليهم: حيث قدم لهم من وسائل التربية والوقاية ما كان يكفي لإبعادهم عن الجريمة التي اقترفوها ؛ لو كانت لهم قلوب تعقل ، أو نفوس ترحم . ثم إنه لا يطبقها أبدًا حتى يضمن أن الفرد الذي ارتكب الجريمة قد ارتكبها دون مسوّغ ولا شبهة اضطرار . فوقوعه فيها بعد كل هذا دليل على فساده وشذوذه ، واستحقاقه للعقوبات الرادعة المؤلمة . فهو مثلًا لا يقطع يد السارق إلا بعد توفير الوسائل التي تمنع من السرقة ، فقد عمل على توزيع الثروة توزيعًا عادلًا ، وجعل في أموال الأغنياء حقًا معلومًا للفقراء ، وأوجب النفقة على الزوج والأقارب ، وأمر بإكرام الضيف والإحسان إلى الجار ، وجعل الدولة مسؤولة عن كفالة أفرادها بتوفير تمام الكفاية لهم في الحاجات الضرورية من مطعم وملبس ومسكن وغيرها ، بحيث يعيشون حياة لائقة كريمة . كما أنها تكفل أفرادها بفتح أبواب العمل الكريم لمن يستطيعه ، وتمكين كل قادر من أن يعمل بمقدار طاقته ، وتهيئة الفرص المتساوية للجميع . وبذلك يمنع الإسلام الدوافع المعقولة للسرقة ، فإن وقعت بعد ذلك ؛ فإنه يتحقق من ثبوتها ، وانتفاء موانعها ، وعدم وجود شبهة تسقطها ، كأن يرتكبها بدافع الحاجة والاضطرار (1)

(1) وذلك كالسرقة عام المجاعة ، فقد ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الضرورة شبهة قوية تدرأ حد السرقة ، وهو ما فعله عمر مع غلمان حاطب بن أبي بلتعة ، حيث درأ عنهم الحد لما سرقوا في عام مجاعة ، وقال رضي الله عنه: (أما والله ! لولا أني أعلم أنكم تستعملونهم وتجيعونهم ، حتى إن أحدهم لو أكل ما حرم الله عليه ، حلّ له ، لقطعت أيديهم) ، ولأن من شروط قطع السارق: أن يكون مختارًا ، ولا اختيار له عند الجوع الموفي على الهلاك ، ولأن له أن يأخذه ما دام مضطرًا إليه ، وقد حكى الماوردي الإجماع على سقوط القطع لشبهة الضرورة ، فقال: (روي عن مروان بن الحكم أنه أتي بسارق سرق عام مجاعة ، فلم يقطعه ، وقال: أراه مضطرًا ، فلم ينكر عليه أحد من الصحابة وعلماء عصره ، فكان إجماعًا) ، وعلى الرغم من أن ابن حزم لا يقول بدرء الحد بالشبهة ، إلا أنه ذهب في هذه المسألة مذهب الجمهور ، فدرأ الحد عن السارق للضرورة ، وفي ذلك يقول ابن القيم: (وهذا محض القياس ، ومقتضى قواعد الشرع ، فإن السّنة إذا كانت سنة مجاعة وشدة ، غلب على الناس الحاجة والضرورة ، فلا يكاد يسلم السارق من ضرورة تدعوه إلى ما يسد به رمقه ، ويجب على صاحب المال بذل ذلك له ، إما بالثمن أو مجانًا ، على الخلاف في ذلك ، والصحيح وجوب بذله مجانًا ، لوجوب المواساة وإحياء النفوس مع القدرة على ذلك ، والإيثار بالفضل مع ضرورة المحتاج ، وهذه شبهة قوية تدرأ القطع عن المحتاج ، وهي أقوى من كثير من الشبه التي يذكرها كثير من الفقهاء ، لا سيما وهو مأذون له في مغالبة صاحب المال على أخذ ما يسد رمقه ، وعام المجاعة يكثر فيه المحاويج والمضطرون ، ولا يتميز المستغني منهم ، والسارق لغير حاجة من غيره ، فاشتبه من يجب عليه الحد بمن لا يجب عليه ، فدري) ، انظر: إعلام الموقعين ، 3/11 - 12 ، والمغني ، 12/462 ، والمهذب ، 2/282 ، والحاوي الكبير ، 18/108 ، والمحلى 11/343 ، وأحكام السرقة في الشريعة الإسلامية والقانون ، للكبيسي ، ص 320 - 321 ، وحديث غلمان حاطب ، أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ، في كتاب السرقة ، باب ما جاء في تضعيف الغرامة ، 8/278 ، و عبد الرزاق في المصنف في كتاب اللقطة ، باب سرقة العبد ، 10/238 - 239 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت