وهو يعترف بقوة الدافع الجنسي ، وعنف إلحاحه على البشر ، ولكنه يعمل على إشباع هذا الدافع بالطريق المشروع: طريق الزواج ، فيدعو إلى الزواج المبكر ، ويعين العاجز عن تكاليفه المادية بوسائل كثيرة ، من الزكاة والصدقات ، والنفقة ، وبيت المال . كما أنه يحرص على تنظيف المجتمع من كل وسائل الإغراء والإثارة التي تؤجج الغريزة ، وتحرك كوامن الشهوة . كما أنه يأمر بغض البصر ، وحفظ الفرج ، والاستعفاف ، ومجاهدة النفس والتسامي بها . ويحرص كذلك على شغل أوقات الفراغ ، واستنفاد الطاقة الحيوية الفائضة بالتقرب إلى الله ، والمسارعة إلى الخير ، وفعل كل ما من شأنه أن يحقق لصاحبه النفع في الدنيا والآخرة . وبذلك كله يمنع الدوافع التي تسوِّغ الجريمة . ثم إذا وقعت فإنه يحتاط احتياطًا شديدًا في إثباتها ، فلا يقيمها إلا على من أقر بها إقرارًا صريحًا أربع مرات ، وطلب تطهيره بالحد ، ولم يتراجع عن إقراره حتى تنفيذ الحد عليه ، أو يكون قد تبجح بارتكابها ، حتى ليراه أربعة شهود وهو على هذه الحال . وهكذا شأن الإسلام في بقية العقوبات ، يعمل على وقاية المجتمع أولًا من دوافع الجريمة ، ثم يدرأ الحدود بالشبهات زيادة في الاحتياط . فليست العقوبة هي الوسيلة الأولى أو الوحيدة للإصلاح والتقويم ، ولكن حين يأتي دورها في التطبيق ، فإنها تمثل مواجهة حاسمة للظاهرة الإجرامية . فهل يبقى بعد ذلك مجال للطعن في عدالة هذه العقوبات ومناسبتها ؟!! (1) .
ثانيًا: حكيمة رحيمة:-
(1) انظر: شبهات حول الإسلام ، ص 154 - 155 ، وفي التشريع الإسلامي ، ص 97 - 98 ، وأثر تطبيق الحدود في المجتمع ، ص 169 ، والمهمة المزدوجة للتشريع الجنائي الإسلامي ، مقال للدكتور: جمال الدين محمود ، في مجلة التضامن الإسلامي ، ص 47 ، ذو القعدة ، 1408هـ .