فهرس الكتاب

الصفحة 263 من 1101

إن العقوبة ليست مكافأة على عمل مبرور ، وإنما هي جزاء مقرر على ارتكاب جريمة ، يقصد به الإيلام والردع: وإذا لم تكن العقوبة مؤلمة ؛ فليس لتطبيقها أي أثر في الزجر والردع . حتى تأديب الرجل ولده ؛ لا بد أن يكون فيه شيء من الإيلام والقسوة ، ليتأتى تأديبه وإصلاحه وقديمًا قال الشاعر الحكيم:

فقسا ليزدجروا ، ومَنْ يَكُ حازمًا فليَقْسُ أحيانًا على مَنْ يرحمُ

ولا شك أن الإنسان يتمنى ألا توجد في المجتمع جريمة أبدًا ، حتى لا توجد عقوبات أصلًا ؛ بحيث يفهم كل فرد ما له فيقتصر عليه ، وما عليه فيؤديه عن طواعية واختيار . ولكن هذا حلم لا يمكن أن يتحقق ، ورغبة خيالية تصطدم بالواقع المعاش . فهناك نفوس جاهلة حمقاء لا تلتزم بما لها وما عليها ، ونفوس شريرة ظالمة قد تأصّل فيها الإجرام والإفساد ، وسعت للإضرار بالآخرين وبخسهم حقوقهم . والحياة لا يمكن أن تستقيم وتنتظم إلا بالالتزام ، واحترام حقوق الآخرين ، وعدم المضارة بهم . فمن خرج عن هذا الالتزام ، وسعى للإضرار بنفسه وبغيره ، كان ردعه واجبًا عقلًا وشرعًا ، ولا ردع إلا بقسوة وإيلام . واسم العقوبة مشتق من العقاب ، ولا يكون العقاب عقابًا إذا كان موسومًا بالرخاوة والضعف . فعنصر القسوة - إذًا - يمثل الركن الأساسي لمعنى العقوبة ، فلو فُقدت القسوة فُقدت معها العقوبة بدون شك . ولكن ما هي الدرجة التي يجب أن تقف عندها قسوة العقوبة على جريمة ما ؟ إن الذي يحدد هذه الدرجة هو تصور مدى خطورة الجريمة التي استلزمتها ؛ أي أن القسوة يجب أن تكون ملائمة للجريمة ، فتزيد بزيادة خطورتها وشدة آثارها ، وتنقص بنقص ذلك . وهذه الحقيقة محل وفاق عند جميع المشتغلين بالتشريع والتقنين ، مهما اختلفوا في تحليل فلسفة العقاب . وإن اختلاف القوانين العقابية الوضعية أكبر شاهد على ذلك . فإذا كان في الناس من يصف العقوبات الشرعية بقسوة زائدة على مقتضى هذه القاعدة التي لا خلاف فيها ؛ فسبب ذلك

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت