فهرس الكتاب

الصفحة 307 من 1101

وهكذا مثلما يطالب أصحاب الدعاوى بوجود جهنم، فإن عزة جلال الله وعظمة كماله سبحانه تطلبانها قطعا.

نعم، إذا قال سفيه أو شقي عاص لحاكم عزيز للبلاد:"إنك لا تستطيع أن تقذفني في السجن ولن تقدر على ذلك أبدا". متجاوزًا حده ومتعديا على عزة ذلك الحاكم وعظمته، فلابد أن ذلك الحاكم سينشئ سجنا لذلك السفيه المتعدي حتى لو لم يكن هناك سجن في البلاد. كذلك الأمر في الكافر المطلق، فإنه بكفره يتعدى بشدة على عزة جلاله سبحانه، وبإنكاره يتحدى عظمة قدرته، وبتجاوزه يمس كمال ربوبيته، فإن لم يكن هناك حتى تلك الأسباب الموجبة وتلك المبررات الكثيرة والحكم العديدة والوظائف الكثيرة لجهنم ولوجودها؛ فإن خلق جهنم لمثل هؤلاء الكفار وإلقاءهم فيها هو من شأن تلك العزة وذلك الجلال.

ثم إن ماهية الكفر نفسها توحي بجهنم؛ إذ كما أن ماهية الإيمان إذا تجسمت يمكن أن تبني بلذائذها ونعيم جمالها جنة خاصة في وجدان الإنسان وقلبه، هي جنة مصغرة تومئ وتخبر عن جنة الخلد التي تنتظره في الآخرة، كذلك الكفر - ولاسيما الكفر المطلق - والنفاق والردة فيه من الآلام والأعذبة (1) والظلمات المرعبة بحيث لو تجسمت وتأصلت في نفس صاحبها كونت له جهنمه الخاصة به تلك التي تشير إلى ما سيفضي إليه في آخرته من جهنم هي أشد هولًا وأشد عذابًا. ولقد أثبتنا هذا بدلائل قاطعة في رسائل النور، وأشير إليه في مستهل هذه المسألة أيضا.

ولما كانت هذه الدنيا مزرعة الآخرة، فالحقائق الصغيرة التي فيها تثمر وتتسنبل في الآخرة، فهذه البذرة السامة (الكفر) تشير من هذه الزاوية إلى شجرة الزقوم تلك، وتقول:"أنا أصل تلك الشجرة وجوهرها.. فمن يحملني في قلبه من المنكوبين سأثمر له نموذجا خاصا من تلك الشجرة الملعونة".

(1) هكذا في الترجمة لعله يقصد أنواع العذاب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت