وما دام الكفر تعديا على حقوق غير محدودة، وتجاوزا فاضحا، فهو إذن جناية غير محدودة، لذا يجعل صاحبه مستحقا لعذاب غير محدود. فلئن كان القتل الذي يحدث في دقيقة واحدة يذيق القاتل خمس عشرة سنة من العذاب (ما يقارب ثمانية ملايين دقيقة) ويعتبر ذلك موافقا للعدالة البشرية، وعدّته موافقا للمصلحة العامة وحقوقها، فلا جرم أن دقيقة واحدة من الكفر المطلق - على اعتبار الكفر ألف قتل - تقابل إذن بعذاب يقرب من ثمانية مليارات من الدقائق، على وفق تلك العدالة الإنسانية فالذي يقضي سنة كاملة من عمره في الكفر إذًا يستحق عذاب ترليونين وثمانمائة وثمانين مليارا من الدقائق، أي يكون أهلا لـ: { خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا } (النساء: 169) .
هذا و إن الأسلوب المعجز للقرآن الكريم في بيانه الجنة والنار وما في رسائل النور - التي هي فيض منه وتفسيره - من حجج حول وجودهما، لم يتركا مجالا لأي إيضاح آخر. فآيات كثيرة جدا أمثال: { إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ } (آل عمران: 190) { رَبَّنا اصرف عَنا عَذابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا (65) إِنَّهَا سَاءت مُستَقرًا ومُقاما (66) } (الفرقان) . وأغلب ما كان يردده الرسول الأكرم ' في ادعيته في كل وقت: (أجرنا من النار) .. (نجنا من النار) .. (خلصنا من النار ) ... الذي حاز عندهم قطعية تامة بناء على الوحي المشهود..كل ذلك يبين لنا أن أعظم قضية للبشرية على الأرض إنما هي النجاة من النار، وأن أعظم حقيقة وأدهشها من حقائق الكائنات، بل أكثرها أهمية إنما هي"جهنم"التي يشهدها قسم من أولئك المحققين وأهل الشهود والكشف، ويرى آخرون ألسنة لهيبها وظلمة سوادها، ويسمع بعضهم أزيز تضرمها وفورانها فيصرخون من هولها"أجرنا من النار".