نعم ! إن تقابل الخير والشر في هذا الكون، واللذة والألم، والنور والظلام، والحرارة والبرودة، والجمال والقبح، والهداية والضلالة، وتداخل بعضها ببعض، إنما هي لحكمة كبرى، لأنه ما لم يكن هناك الشر فلا يفهم الخير، وما لم يكن هناك الألم فلا تُعرف اللذة، والضياء من دون ظلام إزاءه لا يبين جماله، ودرجات الحرارة تتحقق بوجود البرودة، وتصبح حقيقة واحدة من الجمال ألفًا من الحقائق بوجود القبح، بل يكتسب آلافا من أنواع الجمال ومراتب الحسن. ويختفي الكثير من لذائذ الجنة بعدم وجود جهنم. فقياسا على هذا يمكن أن يعرف كل شيء من جهة بضده، وبوجود الضد يمكن أن تثمر حقيقة واحدة حقائق عدة.
فما دامت هذه الموجودات المختلطة تسيل سيلا من دار الفناء إلى دار البقاء. فلابد أن الخير واللذة والنور والجمال والإيمان وأمثالها تسيل إلى الجنة، ويتساقط الشر والألم والظلام والقبح والكفر وأمثالها من الأمور المضرة إلى جهنم. فتسيل سيول هذه الكائنات المتلاطمة دائما إلى ذينك الحوضين وتهدأ ساكنة عندهما نهاية المطاف.
(9) شهود رحمة أرحم الراحمين كما قال - عز وجل - { فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهٌِ }
{ فَانْظُرْ إِلَى آَثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ } [الروم/50]
(فانظر إلى ما في الوجود من آثار رحمته الخاصة والعامة:
فبرحمته أرسل لنا رسوله - صلى الله عليه وسلم - و أنزل علينا كتابه وعصمنا من الجهالة وهدانا من الضلالة وبصرنا من العمى وأرشدنا من الغي ، وبرحمته عرفنا من أسمائه وصفاته و أفعاله ما عرفنا به أنه ربنا ومولانا ، وبرحمته علمنا ما لم نكن نعلم ، وأرشدنا لمصالح ديننا و دنيانا (1 ) ) .
(1) ابن القيم في (مختصر الصواعق المرسلة - جـ 2) .