فهرس الكتاب

الصفحة 325 من 1101

وأنت لو تأملت العلم بعين البصيرة لرأيته ممتلئًا بهذه الرحمة الواحدة كامتلاء البحر بمائه والجو بهوائه ، وما في خلاله من ضد ذلك فهو مقتضى قوله ( سبقت رحمتي غضبي ) فالمسبوق لابد لاحق وإن أبطأ ، وفيه حكمة لا تناقض الرحمة فهو أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين (1) .

وقال - عز وجل - {مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} (فاطر:2)

ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن ما يفتحه للناس من رحمته وإنعامه عليهم بجميع أنواع النعم ، لا يقدر أحد كائنًا من كان أن يمسكه عنهم ، وما يمسكه عنهم من رحمته وإنعامه لا يقدر أحد كائنًا من كان أن يرسله إليهم ، وهذا معلوم بالضرورة من الدِّين ، والرحمة المذكورة في الآية عامّة في كل ما يرحم الله به خلقه من الإنعام الدنيوي والأخروي ، كفتحه لهم رحمة المطر ، كما قال تعالى: { فانظر إلى آثَارِ رَحْمَةِ الله كَيْفَ يُحْيِيِ الأرض بَعْدَ مَوْتِهَآ } [ الروم: 50 ] .وقوله تعالى: { وَهُوَ الذي يُرْسِلُ الرياح بُشْرىً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ } [ الأعراف: 57 ] . وقوله تعالى: { وَهُوَ الذي يُنَزِّلُ الغيث مِن بَعْدِ مَا قَنَطُواْ وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ } [ الشورى: 28 ] الآية ، ومن رحمته إرسال الرسل ، وإنزال الكتب كقوله تعالى: { وَمَا كُنتَ ترجوا أَن يلقى إِلَيْكَ الكتاب إِلاَّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ } [ القصص: 86 ] كما تقدّم إيضاحه في سورة الكهف في الكلام على قوله تعالى: { فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَآ آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا } [ الكهف: 65 ] الآية (2) .

(1) مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة جـ2 صـ 351:349.

(2) الشيخ الشنقيطي أضواء البيان - (ج 6 / ص 395)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت