قطع ما بينه وبين الرحم وما بينه وبين الرحمن بالرحمة أفسد عليه أمر دنياه وآخرته ، ومحق بركته ورزقه وأثره كما قال - صلى الله عليه وسلم - (مَا مِنْ ذَنْبٍ أَجْدَرُ أَنْ يُعَجِّلَ اللَّهُ تَعَالَى لِصَاحِبِهِ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا مَعَ مَا يَدَّخِرُ لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِثْلُ الْبَغْيِ وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ) (1) ، فالبغى معاملة الخلق بضد الرحمة وكذلك قطعية الرحم ، وإن القوم ليتواصلون وهم فجرة فتكثر أموالهم ويكثر عددهم ، وإن القوم ليتقاطعون فتقل أموالهم ويقل عددهم وذلك لكثرة نصيب هؤلاء من الرحمة وقلة نصيب هؤلاء منها ، وفى الحديث (إن صلة الرحم تزيد العمر ) (2) .
وإذا أراد الله بأهل الأرض خيرًا نشر عليهم أثرًا من آثار اسمه الرحمن فغمر به البلاد و أحيا به العباد ، وإذا أراد بهم شرًا أمسك عنهم ذلك الأثر فحل بهم من البلاء بحسب ما أمسك عنهم من آثار اسمه الرحمن ، ولهذا إذا أراد الله سبحانه أن يخرب هذه الدار ويقيم القيامة أمسك عن أهلها أثر هذا الاسم وقيضه شيئًا فشيئًا ، حتى إذا جاء وعده قبض الرحمة التي أنزلها إلي الأرض ، فتضع لذلك الحوامل ما في بطونها ، وتذهل المراضع عن أولادها فيضيف سبحانه تلك الرحمة التي رفعها وقبضها من الأرض إلى ما عنده من الرحمة فيكمل بها مائة رحمة فيرحم بها أهل طاعته وتوحيده وتصديق رسله وتابعهم .
(1) أخرجه أبو داود والترمذى وابن ماجة والحاكم والبغوي (شرح السنة ) وصححه الالبانى في صحيح الجامع حـ5704 وفى الصحيحة حـ918
(2) متفق عليه من حديث أنس - رضي الله عنه - بلفظ"من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه"