بلا شك فإن الأمثلة سالفة الذكر تعتبر أمثلة محيرة من عالم الأحياء، والمحير فيها أن هذه الأنماط السلوكية صادرة عن كائنات حية صغيرة كالنمل وهو ما يصادفه الإنسان في حياته اليومية دون أن يشعر بتفاصيل حياة هذا المخلوق. ولو دققنا في هذه التفاصيل لوجدنا أمورًا عجيبة وغريبة تجبرنا على التفكير بروية في ماهيتها لأن هذه الحيوانات تمتاز بوجود جهاز عصبي دقيق للغاية ومخ محدود الحجم والارتباطات العصبية، مع هذا تقوم بسلوكيات لا يمكن القول عنها إلا إنها محض واعية، والسبب كونها منفذة مطيعة لما أمرت به منذ ملايين السنين دون فوضى أو إهمال أو تقصير، وما هذا الأمر إلا إلهام إلهي من الخلاّق العليم جل جلاله. وهذا الانقياد التام من الكائنات الحية للخالق عزَّ وجلَّ يصور من قبل القرآن كما يلي:
{ أَفَغَيْرَ دِينِ اللهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإلَيْهِ يُرْجَعُونَ } [آل عمران: 83] .
صور من التضحية في خلية النحل
هناك تشابه شبه كلي بين حياة كل من النمل والنحل. في كلا العالمين تتفانى في سبيل الحفاظ على حياة وسلامة الملكة واليرقات علمًا أن هذه العاملات عقيمة وهذه اليرقات ليست من صغارها. تتألف خلية النحل من الملكة والذكور المسؤولة عن تلقيح الملكة ،والعاملات التي تعتبر المسؤولة الأولى والأخيرة عن إدارة الخلية بمختلف نشاطاتها الحيوية اليومية مثل إنشاء الغرف الشمعية، ونظافة الخلية، وأمن الخلية، وتغذية الملكة والذكور، والاعتناء باليرقات وإنشاء الغرف حسب نوع النمل الذي يخرج من البيض من ملكة أو ذكر أو عاملة، وتهيئة هذه الغرف بصورة مناسبة، وتنظيفها، إضافة إلى توفير الدفء والرطوبة اللازمين للبيض، وتوفير الغذاء لليرقات حسب الحاجة ،الغذاء الملكي، العسل الممزوج برحيق الأزهار،وجمع المواد اللازمة لصنع الغذاء مثل خلاصة الفواكه، رحيق الأزهار، الماء ونسغ الأشجار…