فهرس الكتاب
وفرقوا أيضا من وجه آخر وقالوا إن الحمد هو الثناء بالقول على المحمود بصفاته اللازمة والمتعدية , اللازمة مثل العظمة والمتعدية مثل الكرم والرزق والإنعام وما شابه ذلك يعني أنها تتعدى إلى المخلوقين , وأما الشكر فإنه لا يكون إلا على الصفات المتعدية , تشكره على إحسانه وإنعامه وأنه أنقذك من مكروه أو كربة أو مصيبة , وهكذا بالنسبة للناس , فأنت تشكر إنسان لأنه تفضل عليك أو أحسن إليك , فتقول أشكرك لما قدمت إلي من معروف , وأما الحمد فإنك تحمد هذا الإنسان على حسنه وعلى جمال وجهه وعلى طوله وعلى قوة شخصيته وعلى حيائه وكرمه, الشكر يكون باللسان والقلب والجوارح , باللسان بأن تذكر محاسنه , وفي قلبك بأن يكون فيه محبة المنعم واستحضار هذا الإنعام , ويكون بالجوارح بأن تشتغل هذه الجوارح بالتقرب إليه , وأصل الشكر مأخوذ من الظهور , ولذلك يقال للعسلوج وهو فرع الشجرة التي قطعت يظهر منها فرع أخضر صغير يقال له شكير لأن هذا الغصن الصغير ظهر بعد أن لم يكن , ولهذا يقال شكرت هذه الدابة أي يظهر عليها أثر السمنة.
ولهذا قال الشاعر:
أفادتكم النعماء مني ثلاثة ** يدي ولساني والضمير المحجب