فهرس الكتاب
فهو خالق الخير والشر ، وهو سبحانه يَبْلُو عبادهُ بالشر والخير فتنةً ثم الرجعى إليه للحساب يوم الدين ، وهو سبحانه يَكْرهُ الشَّر ويَبْغَضُهُ ، ولا يأمره به ولا يُرِيده شرعًا ، وإنما خَلقَهُ وَأَرَادَه قَدَرًا لما في ذلك من الحِكَم البالغات التي لا يدركها على تمامها إلا هو سبحانه ، ولما فيه من المصالح والخير الذي لا يكون بدونه ( أي بدون ذلك الشر ) كما أن الولد لا يَكُون بدون الوطْءِ والإنْجاب ، وسيأتي ذكر شئ من الحكمة بعد قليل ، كما يقول ابن القيم: الشر مسند في الآية إلي المخلوق المفعول لا إلى خلق الرب تعالى الذي هو فعله وتكوينه فإنه لا شر فيه بوجه ما ، فإن الشر لا يدخل في شئ من صفاته ، ولا في أفعاله ،كما لا يلحق ذاته تبارك وتعالى ، بل أفعاله كلها خيرات محضة لا شر فيها ، ولو فعل الشر سبحانه لاشتق له منه أسم ، ولم تكن أسماؤه كلها حسنى ، ولَعَاَد إليه منه حُكْمٌ ، تعالى وتقدس عن ذلك ، وما يفعله من العدل بعباده وعقوبة من يستحق العقوبةَ منهم فهُوُ خَيْرٌ محض ، إذ هو محض العدل والحكمة ، وإنما يكون شرًا للمعاقَبين وهو أمر نِسْبِىّ إضافي: فهو خير من جهة تعلُّق فعل الَّربِ وتكْوِينه به ، وشر من جهة نسبته إلى من هو شر في حقه ، فله وجهان: من أحدهما خير ، وهو الوجه الذي نُسب منه إلى الخالق سبحانه وتعالى خلقًا وتكوينًا ومشيئة: لما فيه من الحكمة البالغة التي استأثر بعلمها ، وأطلع من شاء من خلقه على ما شاء منها ، وأكثر الناس تضيق عقولهم عن مبادئ معرفتها فضلًا عن حقيقتها ، فيكفيهم الإيمانُ المجمل بأن الله سبحانه هو الغني الحميد ، وفاعل الشر لا يفعله لحاجته المُنَافِية لِغِنَاه ، أو لنْقص حَمْده ، فيستحيل صدور الشر من الغني الحميد فعلًا ، وإن كان هو الخالق للخير والشر كما هو معلوم ، وخذ مثالًا على ذلك:- قطع يد السارق شر بالنسبة إليه ، وخير محض بالنسبة إلى عموم الناس لما فيه من حفظ