فهرس الكتاب
الله تعالي هو الغني ، والناسُ يعرفون ، لكن ظهور غناه تمام الظهور ، وتقرُّرَه في الأسماع والقلوب حق التقرُّر ، إنما عند التَّصدِّى للمجرمين الذين يقولون ( إِنَّ اللّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء ) ويقولون ( يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ ) والذين يقولون ( اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا ) ونحو ذلك من الأقوال ، فيكون ذلك التصدي بمناظرتهم ومُحَاجَّتهم بأن الله تعالى له الكمال المنافي للنقص ، ومنه كمال الغني المنافي للحاجة ، فلا يحتاج لشيء من الولد أو المال أو المشارك أو الظهير والمعين أو غيره ، وإنما نحن البشر مثلا نحتاج إلى الولد للاستمتاع به كقُرَّتِ عَيْن ، والتَّعُّوذ به ، والاستظهار والاستعانةُ به ، وليكون وريثا يحمل الاسم ويطول به الذكر ، وغير ذلك ، فالله تعالي لم يتخذ ولدا لأنه غنيُّ بالذات ، وكل الخلق إليه فقراء بالذات ، ولأنه هو الواحد القهار فلا يحتاج إلى من يتعزَّز به ، ومن غناه أن له ما في السماوات وما في الأرض ولم تكن له صاحبه ، فأني يكون له ولد ، ومن غناه أنه يقول للشيء كن فيكون ، فلا يحتاج للظهير والمعين من الولد وغيره ، وهكذا تتابع الأدلة والبراهين على تنزيه الله تعالي مما قالوا ، فالله تعالي كثَّر هؤلاء المجرمين فكثرت مقالاتهم وتنوعت بين كفر وشرك وتعطيل وإلحاد وزندقة وتَشَيُّع وتَصوُّف وغيره ، فاحتاج الأمر إلى تنوع للتنزيه بتنوع الأدلة التي تَدمغُ كلَّ ما قالوا من الباطل ، فكان ذلك سببا في ظهور الكمالات المتنوعة ، وتكميل المحامد الكثيرة ، ولقد جاء القران بكل ذلك مستوفي على التمام ، ولم يتركْه اللهُ لاجتهاد المجتهدين ، بل بيَّنه أعْظَمَ بَيَانٍ ، وفَصَّله بَعْد أن أحْكَمه ، وضرب له الأمثال ، وسورة الإخلاص التي تعدل ثلث القرآن ، كلها في التنزيه وتقرير الحمد والكمال ، وآية الكرسيّ وهي سيدة آي القرآن فيها البيان والشفاء في هذا المقصد القرآنيّ العظيم ، فالتنزيه عن السِّنة