الصفحة 124 من 590

فالنبي - صلى الله عليه وسلم - أول المسلمين من هذه الأمة؛ ولهذا قال: {وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163) } [1] {وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (12) } [2] ثم أول من آمن به من الأحرار، أبو بكر الصديق، ومن العبيد والأرقاء بلال، ومن الصبيان علي بن أبي طالب، ومن النساء خديجة بنت خويلد - رضي الله عنها - ثم أسلم صهيب، وعمار بن ياسر وجماعة.

فالإسلام بدأ غريبا، ما اعتنقه إلا قلة، ثم انتشر الإسلام وكثر، وهاجر النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة، ثم لما فتح الله مكة على النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل الناس بعدها في دين الله أفواجا.

وفي سنة تسع جاءت الوفود إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وفود القبائل من جميع أنحاء بلاد العرب، حتى دخل الناس في دين الله أفواجا، وانتشر الإسلام، ثم الخلفاء الراشدون. في زمن الخلفاء الراشدين - رضي الله عنهم - انتشر الإسلام وتوسع.

وفي آخر الزمان يعود غريبا كما بدأ، يخرج الناس من دين الله، ولا يبقى عليه إلا القلة القلائل.

" بدأ الإسلام غريبا " الغريب: هو الذي ليس معه أحد، قلة. ومنه الغريب، سُمي الغريب في البلد؛ لأنه منفرد وحده من بين أهل البلد. الناس بين أهليهم وأولادهم، وهذا منفرد غريب.

" فطوبى للغرباء " طوبى: اسم للجنة، أو شجرة في الجنة. هذا فيه الحث على التمسك بالسنة، التمسك بالدين في وقت غربته، وهذا بوجود من يعين عليه، يلزم الإنسانُ الحقَ، ويتمسك بالسنة.

" بدأ الإسلام غريبا، وسيعود غريبا، فطوبى للغرباء " وَعْد بالجنة والكرامة للغرباء، الذين يتمسكون بدين الإسلام، ويعضون عليه بالنواجذ، ويلزمونه، ويتمسكون بالسنة، ويبتعدون عن أهل البدع، وأهل الإشراك.

" قالوا: يا رسول من الغرباء؟ -هذا في غير مسلم- قالوا: يا رسول الله من الغرباء؟ قال: الذين إذا فسد الناس صلحوا " وفي لفظ " الذين يصلُحون إذا فسد الناس " هذا تفسير الغرباء " الذين يصلحون إذا فسد الناس " وفي لفظ " الذين يُصلِحون ما أفسد الناس " وفي لفظ " هم النزاع من القبائل " وفي لفظ " هم قوم صالحون قليل، في قوم سوء كثير ".

أربعة ألفاظ جاءت فيهم:

اللفظ الأول: " قيل: يا رسول الله من الغرباء؟ قال: الذين يصلحون إذا فسد الناس " يعني: يصلُحون بأنفسهم، هم يصلحون بأنفسهم، أو يلزمون الحق، ويعضون عليه بالنواجذ، ويتمسكون بالسنة عند فساد الناس.

وفي اللفظ الآخر " الذين يصلِحون ما أفسد الناس " يعني: دعاة يصلُحون هم بأنفسهم، يعني: صلُحوا بأنفسهم، ثم أصلحوا غيرهم. والمصلح لا بد أن يكون صالحا في نفسه، لا يسمى مصلحا إلا إذا صلح في نفسه.

فهذه اللفظة فيها زيادة معنى عن المعنى الأول، المعنى الأول: " يصلُحون إذا فسد الناس " صالحون في أنفسهم.

أما اللفظة الثانية: " الذين يصلِحون ما أفسد الناس " يعني: دعاة إصلاح، يصلِحون ما أفسده الناس، يدعون إلى الله، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويدعون إلى السنة، ويحذرون من البدعة.

وفي لفظ: " هم النزاع من القبائل " من كل قبيلة واحد أو اثنين، يعني: تجد القبيلة كلها على البدعة، وعلى الفساد، وينزع منها واحد أو اثنان " هم النزاع من القبائل ".

وفي اللفظ الرابع: " هم قوم صالحون قليل، في قوم سوء كثير " " قيل: مَن الغرباء؟ قال: قوم صالحون قليل، في قوم سوء كثير " قوم صلحوا بأنفسهم، قلة في مجتمع كثير فاسد. نعم.

حديث"الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضا بعدي"

(1) - سورة الأنعام آية: 163.

(2) - سورة الزمر آية: 12.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت