الصفحة 131 من 590

لماذا؟ لأن عبد الرحمن من السابق الأولين، وخالد من المتأخرين في الصحبة. فالنبي - صلى الله عليه وسلم - يخاطب خالدا يقول: لا تسبوا أصحابي المتقدمين، مَن لهم صحبة أولى. يخاطب مَن له صحبة أخرى.

" لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده ... " أقسم عليه، وهو الصادق وإن لم يقسم، لكن لتأكيد المقام. " فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم ... " أيها المتأخرون في الصحبة. " مثل أحد ذهبا، ما بلغ مد أحدهم ... " مد السابقين الأولين " ولا نصيفه ".

فإذا كان هذا التفاضل بين الصحابة -بين السابقين الأولين، وبين من أسلم بعد صلح الحديبية- فكيف التفاضل بين من أسلم بعد صلح الحديبية، ومن أسلم يوم الفتح؟ فكيف التفاضل بين الصحابة، ومَن بعدَ الصحابة؟! لا يعلم إلا الله مقدار التفاضل.

فإذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يخاطب خالدا ويقول: " لا تسبوا أصحابي " فلا يمكن أن تبلغ ما بلغوا، فكيف بمن جاء بعد الصحابة من التابعين ومَن بعدهم؟ فكيف بمن يسب الصحابة؟! هذا يدل على أن الأمر عظيم، وأن سب الصحابة أمر جلل، أمر خطير، ليس بالأمر الهين.

وفيه التحذير من سب الصحابة، والواجب الترضي عنهم، الترضي عن الصحابة، وإنزالهم منازلهم، ومعرفة فضلهم وسابقتهم، وجهادهم مع النبي - صلى الله عليه وسلم - وتبليغهم ونشرهم لدين الله - عز وجل - والواجب تولِّيهم، والترحم عليهم، واعتقاد أنهم أفضل الناس، وأنهم خير الناس.

وأنهم أفضل الناس بعد الأنبياء، وأنه لا كان ولا يكون مثلهم، وأنه لا يمكن أن يبلغ منزلتهم أحد من بعدهم، وأن ما صدر منهم من هفوات فهم ما بين مجتهد مصيب له أجران، وبين مجتهد مخطئ له أجر، وخطؤه مغفور.

وما يُروى من الأخبار في حق الصحابة، فكما قال شيخ الإسلام ابن تيمية - -رحمه الله- - في الواسطية: أن كثيرا مما يروى في حق الصحابة كذب، لا أساس له من الصحة. هذا قسم -قسم كذب لا أساس له من الصحة- وقسم له أصل لكن زيد فيه ونقص. وقسم صحيح، والصحيح هم ما بين مجتهد مصيب له أجران، وما بين مجتهد مخطئ له أجر واحد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت