فهرس الكتاب
ثم الذنوب المحققة التي تصدر من الصحابة، فهناك أسباب للمغفرة، قد يغفر لأحدهم ما لا يغفر لغيره. فإذا كان الإنسان من سائر المسلمين يغفر له بالتوبة، يغفر له بشفاعة النبي - صلى الله عليه وسلم - يغفر له بالحسنات، فالصحابة أولى. فالذنوب المحققة للصحابة قد يغفر لأحدهم بفضله، وجهاده مع النبي - صلى الله عليه وسلم - وسابقته للإسلام.
وقد يغفر له بشفاعة النبي - صلى الله عليه وسلم - التي هم أولى الناس بها، وقد يَمنّ الله عليه بالتوبة، وقد يغفر له بالحسنات الماحية، أو المصائب. فكيف -بعد هذا- يأتي قوم في آخر الزمان، ويسبون الصحابة ويكفرونهم؟ نسأل الله السلامة والعافية. نعم.
حديث يا معاذ أطع كل أمير وصل خلف كل إمام
وقال معاذ: قال لي النبي - صلى الله عليه وسلم: " يا معاذ، أطع كل أمير، وصَلِّ خلف كل إمام، ولا تسبن أحدا من أصحابي ".
رواه الطبراني في المعجم الكبير، ومكحول لم يسمع من معاذ، وأحمد في فضائل الصحابة.
نعم. وهذا حديث ضعيف؛ لانقطاع السند -يعني منقطع- ولكن المعنى صحيح، وهو أنه يجب على الإنسان أن يطيع أميره، لكن في طاعة الله - عز وجل - يقول النبي - صلى الله عليه وسلم: " من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله. ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني ".
والمراد: في طاعة الله، جمعا بين النصوص؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الآخر: " لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق " ولقوله -عليه الصلاة والسلام: " إنما الطاعة في المعروف " فالمعنى: " أطع كل أمير " يعني: في طاعة الله - عز وجل -.
" وصل خلف كل إمام " يعني: المراد كل إمام مسلم، أما الإمام الكافر لا يصح أن تصلي خلفه بالإجماع. " ولا تسبن أحدا من الصحابة " نعم، هذا دلت عليه النصوص، فالحديث وإن كان ضعيفا، إلا أن معناه صحيح. نعم.
حديث"إن أمتك مفتونة بعدك بقليل غير كثير"
ووضع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يده على لحية عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - ثم قال: " يا عمر، إنا لله وإنا إليه راجعون. قال عمر: قلت: نعم -بأبي وأمي يا رسول الله- إنا لله وإنا إليه راجعون، وما ذاك؟ قال: إن جبريل أتاني آنفا، فقال: يا محمد، إنا لله وإنا إليه راجعون، إن أمتك مفتونة بعدك بقليل غير كثير، قلت: يا جبريل أفتنة ضلال؟ أم فتنة كفر؟ قال: كلٌ سيكون. قلت: كيف يضلون أو يكفرون وأنا مخلِّف بين أظهرهم كتاب الله؟! قال: بكتاب الله يضلون، يتأوله كل قوم على ما يهوون، فيضلون به ".
أخرجه الدارمي عن معاذ بن جبل أنه قال: " يُفتح القرآن على الناس، حتى يقرأه المرأة والصبي والرجل، فيقول الرجل: قد قرأت القرآن فلم أتَّبَع. إلى قوله: والله لآتينهم بحديث لا يجدونه في كتاب الله، ولم يسمعوه عن رسول الله؛ لعلي أُتَّبَع " ورواه عبد الرزاق في المصنف بسند صحيح.
نعم، وهذا الحديث فيه اختلاف، أخذه الدارمي من معاذ بن جبل بلفظ آخر مقارب، والمعنى صحيح، وهو أنه حصلت فتنة الضلال وفتنة الكفر، هناك من ضل وهناك من كفر؛ وذلك بسبب عدم الإيمان بالقرآن، أو تأويله على غير تأويله، ومن ذلك ما فعله أهل البدع؛ لأنهم يتأولون القرآن على غير تأويله.
حتى إن بعض أهل البدع -والعياذ بالله- تأولوا قول الله: {يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ} [1] قالوا:"الجبت والطاغوت: أبو بكر وعمر"، وقالوا: {مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (19) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ (20) } [2] فسروا البحرين
(1) - سورة النساء آية: 51.
(2) - سورة الرحمن آية: 19 - 20.