الصفحة 166 من 590

قال العلماء: ولم يقل: وأطيعوا أولي الأمر منكم، قال: كرر الفعل في {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} [1] ولم يقل: وأطيعوا أولي الأمر، قال العلماء: لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - معصوم، لا يأمر إلا بطاعة الله؛ فلذلك أعاد الفعل في"أطيعوا الرسول"، وأما ولي الأمر فليس بمعصوم، فقد يأمر بمعصية الله فلا يطاع إلا في طاعة الله.

فيجب طاعة ولاة الأمور في طاعة الله، وعكرمة أراد أن يمثل، يمثل لولاة الأمور، مثال ذلك: أبو بكر وعمر، وليس المراد الحصر، أراد أن يضرب مثال، يعني مثال ولاة الأمور: أبو بكر وعمر، وكذلك من بعدهم.

كما لو جاء .. كما لو كان عندك أعجمي ما يعرف الخبز، ويسأل عن الخبز، فتأتي برغيف فتقول: هذا الخبز، المراد مثال، يعني هذا مثال الخبز، وليس المراد أن هذا جميع الخبز، المراد هذا مثال الخبز حتى يعرف الأعجمي مثاله، فكذلك هنا، أراد أن يمثل .. أراد عكرمة أن يمثل يقول: أبو بكر وعم، ر هذا مثال لأولي الأمر، وليس المراد الحصر. نعم. وهذا فيه الحث على اتباع السنة، والبعد عن الشبه والبدع، ومخالفة النصوص. نعم.

حديث السنة قاضية على كتاب الله وليس الكتاب قاضيا على السنة

وقال يحيى بن أبي كثير السنة قاضية على كتاب الله، وليس الكتاب قاضيا على السنة.

رواه الدارمي والهروي ومحمد بن نصر المروزي في السنة، وذكره السيوطي في مفتاح الجنة، وعزاه للبيهقي على أنها من قول الأوزاعي، وصححه ابن حجر بسند البيهقي.

نعم. وهذا كلام صحيح، قول يحيى بن كثير -رحمه الله-هذا الكلام الصحيح، اعتمده أهل العلم، والمعنى: السنة قاضية على كتاب الله، يعني: مفسرة ومبينة وموضحة لكتاب الله، كما فسرت السنة عدد الصلوات الخمس في اليوم والليلة، وعدد الركعات، عدد ركعات الظهر وصلاة الظهر، وعدد ركعات صلاة المغرب، وحددت وبينت الأوقات، وكما بينت السنة نصب الزكاة، واشتراط الحول، وكما بينت السنة تفاصيل مناسك الحج.

وهكذا فالسنة قاضية على كتاب الله، يعني مفسرة ومبينة، وليس الكتاب قاضيا على السنة، ليس الكتاب مفسرا للسنة، ولكن السنة هي القاضية على كتاب الله، بمعنى أنها مفسرة ومبينة له، فهي توضح المجمل وتبينه، وتخصص العام، وتقيد المطلق.

فالمطلق في النصوص في الكتاب تقيده السنة، والعام في الكتاب تخصصه السنة، والمجمل في الكتاب العزيز توضحه السنة وتبينه، فالسنة قاضية على كتاب الله، وليس الكتاب قاضيا على السنة، وفي هذا بيان أنه يجب على المسلم أن يعمل بالكتاب والسنة، ولا يتجاوزهما إلى البدع والآراء، فيه التحذير من البدع، وهذا هو مقصود المؤلف -رحمه الله-من سياق هذه النصوص. نعم.

حديث كان جبريل ينزل على الرسول بالسنة كما ينزل عليه بالقرآن

وقال حسان بن عطية: كان جبريل -عليه السلام- ينزل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالسنة، كما ينزل عليه بالقرآن، ويعلمه إياها، كما يعلمه القرآن. .

رواه المروذي في السنة، والمصنف في الكبرى، واللالكائي، والهروي، والدارمي.

نعم. وهذا الكلام صحيح، وهو كلام حسان بن عطية، يقول: كان جبريل -عليه الصلاة السلام- ينزل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالسنة كما ينزل بالقرآن، ويعلمه إياها كما يعلمه القرآن.

والمعنى أن السنة وحي ثان، أن السنة وحي وليست من عند النبي - صلى الله عليه وسلم - قد دل على هذا القرآن الكريم، قال الله تعالى في كتابه العظيم: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) } [2] يعني الرسول -عليه الصلاة والسلام- {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (5) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (6) } [3] .

وقال -عليه الصلاة والسلام-: " ألا إني أتيت القرآن ومثله معه " إذا السنة وحي، وحي من الله، ولكن السنة نوعان: نوع لفظه ومعناه من الله وهو الحديث القدسي، كحديث أبي ذر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما يرويه عن ربه أنه قال: " يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرما، فلا تظالموا، يا عبادي ... " إلى آخر الحديث، " يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته، فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته، فاستكسوني أكسكم، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم ... " إلى آخره.

وكذلك حديث أبو هريرة، الحديث القدسي: " من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب " فهذا من الله لفظا ومعنى؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - يرويه عن ربه، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: قال الله تعالى، وفي الحديث: " أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه ".

هذا من الله لفظا ومعنى كالقرآن، إلا أن له أحكاما تختلف عن القرآن، القرآن يتعبد بتلاوته، والحديث القدسي لا يتعبد بتلاوته، القرآن لا يمسه إلا المتوضئ، والحديث القدسي يمسه غير المتوضئ، القرآن معجز بألفاظه، والحديث القدسي غير معجز بألفاظه.

الأحكام تختلف، لكن كل من القرآن والحديث القدسي من كلام الله لفظا ومعنى، أما سائر الأحاديث غير القدسية فهي من الله معنى، ومن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لفظا، فالرسول هو الذي تكلم بها، والمعنى من الله، والمعنى وحي من الله، والرسول هو الذي تكلم بها؛ ولهذا يضاف إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى ".

هذا من كلام الرسول لفظا، لكن معناه من الله وحي واضح، هذا فيكون الحديث القدسي، من الله لفظا ومعنى، وغير القدسي من الله معنى، ومن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لفظا. ولا تغتر بما يوجد في الكتب، كتب أصول

(1) - سورة النساء آية: 59.

(2) - سورة النجم آية: 3.

(3) - سورة النجم آية: 3 - 6.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت