فهرس الكتاب
وبالقدر المقدور أيقن فإنه ... دعامة عقد الدين والدين أفْيَحُ
إلى هنا بس. يقول الناظم رحمه الله:
وبالقدر المقدور أيقن ...
وبالقدر المقدور أيقن فإنه ... دعامة عِقد الدين والدين أَفْيَحُ
"وبالقدر المقدور أيقن"أيها المسلم وأيها السني؛ فإن الإيمان بالقدر دعامة عقد الدين .. دعامة الاعتقاد الحق.
و"الدين -دين الله- أفيح"هذه جاءت تكميلا للنظم، الناظم ظن أن هذا البيت تقرير أصل من أصول الإيمان، وهو الإيمان بالقدر كما نص على ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - في جوابه لجبريل عن الإيمان حيث قال: " الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره ".
فالإيمان بالقدر أحد أصول الإيمان، وهو الأصل السادس في كلام الرسول -صلى الله عليه وسلم، والقدر .. كلمة القدر تطلق ويراد بها التقدير، ويراد بها الشيء المقدور المقدر، كما في النظائر؛ فإن القدر مصدر أو هو اسم مصدر يطلق على المعنى المصدري ويطلق على المفعول.
والمراد أنه يجب الإيمان بتقدير الله لمقادير الأشياء؛ فإن الله -تعالى- أخبر بأنه قدر كل شيء: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (( (( } [1] وقال تعالى: {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (( (} [2] وقال {وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ} [3] وقال تعالى: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَن اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ} [4] .
والإيمان بالقدر أربع مراتب لا يتحقق الإيمان بالقدر ولا يكون الإنسان مؤمنا بالقدر حتى يؤمن بها كلها:
الأولى: الإيمان بعلم الله السابق القديم، بعلمه السابق لكل شيء، يعني الإيمان بأن الله علم ما يكون قبل أن يكون، بما في ذلك أفعال العباد فقد سبق علم الله بما هم عاملون .. سبق علمه بذلك.
ثانيًا: الإيمان بكتابة الله لمقادير الأشياء .. تقديره لمقادير الأشياء كتابة كما في الآيات التي ذكرتها، وكما جاء في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عند مسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " قدَّر الله مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة " وفي حديث عبادة بن الصامت - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " أول ما خلق الله القلم، قال له: اكتب، قال: وما أكتب؟ قال: ما هو كائن إلى يوم القيامة، فجرى القلم بما هو كائن " الحديث.
ثانيا: الإيمان بكتابة الله لمقادير الأشياء، تقديره لمقادير الأشياء كتابة، كما في الآيات التي ذكرتها، وكما جاء في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عند مسلم: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " قدر الله مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة " وفي حديث عبادة بن الصامت - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " أول ما خلق الله القلم، قال له: اكتب. قال: وما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة. فجرى القلم بما هو كائن " الحديث.
المرتبة الثالثة: الإيمان بعموم مشيئة الله، يعني: الإيمان بأن مشيئة الله عامة لا يخرج عنها شيء، فلا يكون في هذا الوجود ما لا يشاء أبدا، فما من حركة ولا سكون في هذا العالم، علويِّة وسفليِّة إلا بمشيئته -سبحانه-، والآيات في هذا كثيرة، الآيات الدالة على المشيئة: {لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (28) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (( (( } [5] {إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا(29) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [6] {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا (( (( (( } [7] .
وفي الأمور الكونية العامة ربطها بالمشيئة: {يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ} [8] {يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (( (( } [9] {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (( (( (} [10] والآيات في هذا كثيرة، فأفعال العباد واقعة بمشيئته سبحانه وتعالى.
والمرتبة الرابعة: الإيمان بعموم الخلق، أي إنه خالق كل شيء؛ فهو خالق السماوات والأرض ومن فيهن وما بينهن، وهو خالق العباد وخالق قدرتهم، وخالق صفاتهم، وخالق أفعالهم الظاهرة والباطنة، فهو خالق كل شيء كما قال -تعالى-: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (( (( } [11] قال -تعالى-: {أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ(95) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (( (( } [12] فهو -سبحانه وتعالى- الخلاق، لا خالق غيره، هو الخلاق العليم {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ (( (( (( (( (( } [13] فهذه مراتب الإيمان بالقدر، لا يكون الإنسان مؤمنا بالقدر حتى يؤمن بهذه كلها.
وقد ضل في هذا الأصل طوائف، فضلت في ذلك القدرية"النفاة"، الذين نفوا القدر، وهم صنفان: غلاة، ومتوسطون. فأما غلاتهم فنفوا كل ذلك، كل هذه المراتب، زعموا وادعوا أن الله لم يعلم أفعال العباد قبل أن تخلق، وقالوا: إن الأمر أنف. يعني: لم يسبق به علم ولا كتاب.
(1) - سورة القمر آية: 49.
(2) - سورة الفرقان آية: 2.
(3) - سورة فاطر آية: 11.
(4) - سورة الحج آية: 70.
(5) - سورة التكوير آية: 28 - 29.
(6) - سورة الإنسان آية: 29 - 30.
(7) - سورة الأنعام آية: 125.
(8) - سورة الرعد آية: 26.
(9) - سورة الشورى آية: 49.
(10) - سورة البقرة آية: 253.
(11) - سورة الزمر آية: 62.
(12) - سورة الصافات آية: 95 - 96.
(13) - سورة البقرة آية: 21.