فهرس الكتاب

الصفحة 127 من 132

وهؤلاء هم غلاة القدرية وهم قدماؤهم، فهم ينفون العلم والكتاب وعموم المشيئة وعموم الخلق، فأفعال العباد عندهم لم يسبق بها علم الله ولا كتاب، فهم ينكرون، يعني: مقتضى قولهم إن الله لا يعلم الأشياء إلا بعد وقوعها، بعد أن تكون، وبالضرورة أنه لم يسبق به كتاب، وأن أفعال العباد واقعة، بل يقولون: إن أفعال الحيوان، كل ما له إرادة خارجة عن مشيئته، تتم بلا مشيئة. يعني: خارجة عن المشيئة وخارجة عن قدرة الرب وعن خلقه، فليست واقعة بمشيئته ولا بقدرته، ولا ولا ... ولا هي من خلقه، ولا هي داخلة في ملكه، هذا سبيل القدرية الغلاة.

والمتوسطون منهم أثبتوا العلم والكتاب السابق، لكن نفوا عموم المشيئة وعموم الخلق، إذن القدرية النفاة متفقون على نفي عموم المشيئة وعموم الخلق، فأفعال العباد بزعمهم كلهم -بزعم القدرية النفاة كلهم- لا تتعلق بها مشيئة الرب، فعندهم أن ما يجري من الناس من الأفعال، كل ذلك ليس إلى الله، والله لا يقدر أن ... يعني لا يقدر أن يجعل القائم قاعدا، ولا القاعد قائما، ولا المؤمن كافرا، ولا الكافر مؤمنا، ولا المطيع عاصيا، لا يقدر، عاجز، فمذهبهم يتضمن تعجيز الرب، وإخراج كل ما يكون من أفعال العباد أو الحيوان عن ملكه وعن قدرته وعن مشيئته، وكفى بهذا تنقصا لرب العالمين.

وزعموا أن العبد هو الذي يخلق أفعاله، فهو يتصرف بمحض مشيئته مستقلا، ومنقطعا عن رب العالمين، مستقلا، فاكتب هذا، أي تنقص لرب العالمين؟! ما يجري من القتال في هذه الدنيا، وما يجري من أفعال وأقوال، هذه كلها الله لا يقدر أن يغير منها شيئا.

ونصوص الكتاب ظاهرة الدلالة على الرد عليهم: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (( (( (} [1] {يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [2] و {اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (( (} [3] {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (( (( } [4] وهو -سبحانه وتعالى- {فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (( (( } [5] فعال لكل ما يريد، لا معقب لحكمه، ولا راد لقضائه سبحانه وتعالى.

فهاتان الطائفتان، هذه الطائفة يقال لهم"القدرية النفاة"، وهؤلاء هم الذين جاءت في شأنهم الآثار، وأنهم مجوس هذه الأمة، فهم مشبهون بالمجوس الذين يجعلون الخلق راجعا إلى أصلين: النور والظلمة، إله الخير وإله الشر.

ويقابلهم الجبرية، ورأس الجبرية جهم بن صفوان؛ فإنه جمع بين ثلاث بدع كبرى: وهي الإرجاء الغالي، والتعطيل لأسماء الرب وصفاته، والجبر، وهو أن -بزعمهم- أن العبد مجبور على أفعاله، ما له خيار ولا اختيار ولا مشيئة، فحركات الناس كحركة الأشجار، وحركة الريشة في مهب الريح، وحركة المرتعش، حركات لا إرادية، لا إرادية بزعمهم.

ومقتضى القول بالجبر أن الإنسان غير ملوم على أفعاله، على ما يفعله من الأفعال، قالوا: يعني غير ملوم، ويجعلون القدر حجة لهم. وهذا سبيل المشركين الذين عارضوا دعوة الرسل بقولهم: {لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا (( (( (( (( (( (} [6] عارضوها، عارضوا دعوة الرسل بقولهم: {لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا (( (( (( (( (( (}

(1) - سورة البقرة آية: 253.

(2) - سورة النحل آية: 93.

(3) - سورة آل عمران آية: 40.

(4) - سورة إبراهيم آية: 27.

(5) - سورة هود آية: 107.

(6) - سورة الأنعام آية: 148.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت