الصفحة 36 من 73

إلى اعتبار التجويز الذي يمكن معه صدق الراوي و عدم غلطه، فمتى حصل ذلك و جاز ألا يكون غلطا وأمكن الجمع بين روايته ورواية من خالفه بوجه من الوجوه الجائزة لم يترك حديثه. فأما أهل الحديث فإنهم قد يروون الحديث من رواية الثقات العدول ثم تقوم لهم علل تمنعهم عن الحكم بصحته"وقال الصنعاني معقبًا عليه: وهو صريح في اختلاف الاصطلاحين في مسمى الصحيح من الحديث كما قررناه"11.

وقال أبو الحسن بن الحصار الأندلسي (611 هـ) "إن للمحدثين أغراضًا في طريقهم احتاطوا فيها وبالغوا في الاحتياط، ولا يلزم الفقهاء اتباعهم على ذلك، كتعليلهم الحديث المرفوع بأنه روي موقوفًا أو مرسلًا، وكطعنهم في الراوي إذا انفرد بالحديث أو بزيادة فيه أو لمخالفته من هو أعدل منه، أو أحفظ. وقد يعلم الفقيه صحة الحديث بموافقة الأصول، أو آية من كتاب الله تعالى، فيحمله ذلك على قبول الحديث، والعمل به، واعتقاد صحته، وإذ لم يكن في سنده كذاب فلا بأس بإطلاق القول بصحته إذا وافق كتاب الله تعالى وسائر أصول الشريعة"12.

وإن كان في قول أبي الحسن الأندلسي بعض المؤاخذات العلمية التي سأبديها قريبًا فإن هذه النصوص أفادتنا عمومًا بضرورة التفريق بين الفقهاء و علماء الأصول وبين نقاد الحديث في تنظير قواعد التصحيح و التضعيف وتطبيقاتها، لئلا تكون المفاهيم حولها ملفقة بين مناهجهم المختلفة. ومعلوم أن هذه القواعد إنما تؤخذ عن المحدثين النقاد، دون غيرهم، ويجب التسليم لهم في ذلك، ولذا قال الحافظ ابن حجر:"يتبين عظم موقع كلام المتقدمين، وشدة فحصهم، وقوة بحثهم، وصحة نظرهم، وتقدمهم بما يوجب المصير إلى تقليدهم في ذلك والتسليم لهم فيه"13

وقال أيضًا:"... فمتى وجدنا حديثًا قد حكم إمام من الأئمة المرجوع إليهم بتعليله، فالأولى اتباعه في ذلك كما نتبعه في تصحيح الحديث إذا صححه"14

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت