الصفحة 39 من 73

يناهض منهج إمامهم الشافعي وغيره من المتقدمين من أصحاب الحديث والأثر. وعلى الرغم من دفاع الإمام البيهقي عن المحدثين النقاد و منهجهم في التصحيح والتضعيف، وقبول الإمام الجويني ذلك منه بحفاوة ورحب صدر، فإن اللاحقين من الفقهاء استمروا في تساهلهم في تصحيح الأخبار وقبولها والاحتجاج بها.

ويتجلى ذلك بوضوح بما قاله ابن الجوز ي:"فرأيت أن إسعاف الطالب للعلم بمطلوبه يتعين خصوصا ً عند قلة الطلاب، لا سيما لعلم النقل، فإنه أعرض عنه بالكلية حتى إن جماعة من الفقهاء يبنون على العلوم الموضوعة"يعني: أنهم يستدلون بالأحاديث الموضوعة 19. والله أعلم.

وقال في موضع آخر:"رأيت بضاعة أكثر الفقهاء في الحديث مزجاة، يعول أكثرهم على أحاديث لا تصح، ويعرض عن الصحاح، ويقلد بعضهم بعضًا فيما ينقل"20

وقال الإمام النووي"وأما فعل كثيرين من الفقهاء أو أكثرهم ذلك واعتمادهم عليه (يعني ما رواه الضعفاء) فليس بصواب بل قبيح جدًا، وذلك لأنه إن كان يعرف ضعفه لم يحل له أن يحتج به، فإنهم متفقون على أنه لا يحتج بالضعيف في الأحكام، وإن كان لا يعرف ضعفه لم يحل له أن يهجم على الاحتجاج به من غير بحث عليه بالتفتيش عنه إن كان عارفا، أو بسؤال أهل العلم إن لم يكن عارفا. والله أعلم"21

ملاحظات حول قول أبي الحسن الأندلسي:

وأما ما زعمه أبو الحسن الأندلسي (رحمه الله تعالى) "أن للمحدثين أغراضا في طريقهم احتاطوا فيها وبالغوا في الاحتياط، ولا يلزم الفقهاء اتباعهم على ذلك، وأن الفقيه قد يعلم صحة الحديث بموافقة الأصول، أو آية من كتاب الله تعالى، فيحمله ذلك على قبول الحديث، والعمل به، واعتقاد صحته، وإذا لم يكن في سنده كذاب فلا بأس بإطلاق القول بصحته إذا وافق كتاب الله تعالى وسائر أصول الشريعة"22.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت