فيرده ما سبق سرده من نصوص الأئمة هذا من حيث الجملة.
وأما من حيث التفصيل فقوله"إن المحدثين بالغوا في الاحتياط"بعيد عن الدقة، وذلك لأن منتهج المحدثين في التصحيح و التضعيف لم يكن قائما على التخمين والاحتياط، وإنما على تتبع القرائن والملابسات، ولذلك فإنهم حين أعلوا الحديث المرفوع بالموقوف يعني أن القرائن نبهتهم على أن رفع الحديث خطأ، وليس لمجرد وجود المخالفة بين الموقوف و المرفوع، أو بين المتصل والمرسل، وليس لأنهم مبالغون في الاحتياط، ويمكن أن نصفه بذلك إذا كان منهجهم في ذلك مجرد تخمين وظن، دون تعويل على القرائن والملابسات.
وأما طعنهم في الراوي فليس كما قال الأندلسي: إذا انفرد بالحديث أو بزيادة فيه أو لمخالفته من هو أعدل منه، أو أحفظ، يطعن فيه النقاد، وإنما طعنوا فيه لكثرة مخالفته الصواب و كثرة تفرده بما ليس له أصل، وليس لمجرد أنه قد خالف من هو أعدل منه، دون لجوء إلى ما يحف به من القرائن.
وأما الجملة الأخيرة فتعد غريبة منه رحمه الله تعالى، وهي وليدة خلط بين قضيتين مختلفتين تتميز كل منهم عن الآخر بالضوابط، إذ موافقة القول المنقول عن النبي صلى الله عليه وسلم الأصول أو الآية القرآنية لا تعني أن النبي صلى الله عليه وسلم قد قاله بالضرورة، والذي ذكره أبو الحسن الأندلسي إنما هو من حيث محتوى النص، فسلامته من الخلل تتم بانسجامه مع الأصل الثابت أو الإجماع، وأما من حيث روايته وإضافته إلى شخص ما فينبغي أن يكون خاضعا لقواعد النقل و الرواية. وبمجرد أن يكون نص ما قد وافق الآية القرآنية لا يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد قاله بالضرورة إذا لم يكن من رواية الكذاب.
ومن المعلوم أن النقل له قواعد وضوابط، كما للعقل قواعد وضوابط، ولا ينبغي إخضاع أحدهما لقواعد الآخر إلا في حالات معينة