الصفحة 41 من 73

وبطريقة علمية منهجية، وبالتالي فما لا يمنع العقل وقوعه لا يلزم إضافته إلى شخص، ما لم يثبت عنه نقلا، وكيف إذا كان الآمر يتصل بالنبي صلى الله عليه وسلم، فإن الخطب فيه جلل والعاقبة وخيمة.

وعلى كل فقد ظهر جليا مما سبق أن أئمة الفقه والأصول كانوا يقعدون القواعد وينظرون المسائل فيما يخص التصحيح والتعليل والقبول والرد والجرح والتعديل وفق ما يقتضيه التجويز العقلي المجرد، كما سبق الإشارة إلى ذلك في نص الإمام ابن دقيق العيد، وكذا نص أبي الحسن الأندلسي، وبالتالي يكون من الإنصاف العلمي أن لا يعد ذلك منهجا علميا يوازي منهج المحدثين النقاد.

وربما نجد في نصوص بعض المتأخرين أن المحدثين يضعفون الأحاديث لعلة غير قادحة، وأنهم يضعفون الحديث لاختلاف رواته على شيوخهم في اسم الصحابي، ويعدون مثل هذا الاختلاف علة تقدح في صحة الحديث. و أما الفقهاء فلا يعدونه قادحا لأن الحديث في جميع الاحتمالات يكون من رواية الصحابي، ولا يضر الإبهام في اسمه لثبوت عدالة الصحابة، مما يوهم القارئ المستعجل أن الفقهاء هم في غاية من الدقة في التصحيح و التضعيف. أقول: كلا ثم كلا، فإن ذلك النوع من الخلاف لن يكون مقياسا لمعرفة دقة الفقهاء في التصحيح و التضعيف و مرونتهم في ذلك، وهذا في الواقع أمر سهل، بل لا يرد أحد من النقاد الأحاديث من أجله، وإنما يرفض فقط أن يحدد الراوي بأنه فلان، لوقوع اضطراب حوله، دون أن يقدح ذلك في صحة الحديث.

وأما الخلاف الجوهري المتمثل في كون الحديث موقوفا أو مرفوعا، أو كون الحديث مرسلا أو متصلا، أو كون الحديث بزيادة أو بدونها فيعد ذلك كله من العلل القادحة فقط إذا توفرت القرائن على أن رفعه أو وصله أو زيادته خطأ محض من راويه أيا كان هذا الراوي، ولم يكن ذلك مبنيا على مجرد تخمين، أو تجويز عقلي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت