الصفحة 42 من 73

في حين يعد الفقهاء هذا النوع من الاختلاف عللا غير قادحة، نظرا لكون راوي ذلك ثقة أو صدوقا، وأن الزيادة منه مقبولة عندهم إذ كانوا يجوزون عقليا صدور ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم صارفين النظر عما يحيط بتلك الزيادات من ملابسات وقرائن. ولذا فعلى المنصف أن يتأمل: أي منهج يتسم بالدقة المتناهية التي تقتضيها مكانة السنة النبوية، منهج المحدثين النقاد الذي يقوم على تتبع القرائن والملابسات؟ أو منهج الفقهاء و الأصوليين الذي يعتمد على التجويز العقلي؟ 23.

وفي ضوء ما سبق ذكره يمكن لنا القول: من كان منهجه في التصحيح و التضعيف هو النظر في عدالة الراوي واتصال السند فهو على طريقة الفقهاء، وعليه جرى عمل كثير من المتأخرين من أهل الحديث عموما، وهو ظاهر لكل من يتتبع كتب الفقه وأحاديث الأحكام، وكتب التخريجات، وكذلك المعاصرون ينتهجون المنهج نفسه، كما نرى ذلك في كثير من بحوثهم ودراساتهم. غير أنهم يتفاوتون في ذلك بقدر ممارستهم بمنهج المحدثين النقاد.

هذا وقد تبلور التباين المنهجي بين المتقدمين والمتأخرين في تقعيد قواعد القبول والرد في مناسبات أخرى في علوم الحديث، كمبحث تعارض الوصل والإرسال، وتعارض الوقف والرفع، ومبحث زيادة الثقة، ومبحث الاستخراج، ومبحث الشاذ المنكر.

يقول الحافظ العلائي في صدد بيان هذا التباين:

"فأما إذا كان رجال الإسناد متكافئين في الحفظ أو العدد، أو كان من أسنده أو رفعه دون من أرسله أو وقفه في شئ من ذلك، مع أن كلهم ثقات محتج بهم، فههنا مجال النظر واختلاف أئمة الحديث والفقهاء."

"فالذي يسلكه كثير من أهل الحديث بل غالبهم جعل ذلك علة مانعة من الحكم بصحة الحديث مطلقا، فيرجعون إلى الترجيح لإحدى الروايتين على الأخرى، فمتى اعتضدت إحدى الطريقين بشيء من وجوه الترجيح"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت