فهرس الكتاب
معنى هذه الكلمة: أن لا إله إلا الله ومعبود حقًا إلا الله، فالإله معناه المعبود.
إذًا الإله هو الذي يقصد التعلق بالدعاء، والذبح، والنذر، والرهبة، والرغبة. ويسميه بعض الناس السيد بقصد طيب.
كثيرٌ من الناس لا يعرفون معنى هذه الكلمة إلا مجرد حروف فقط، هل يفيد هذا؟ لا؛ لأن المقصود معناها وهو إخلاص العبادة لله - عز وجل -.
وهناك بعض الناس يفسِّرها بغير توحيد العبادة، بماذا يفسرها؟. يفسرونها بقول معنى لا إله إلا الله، لا خالق إلا الله.
ولكن أين وجه الخطأ في هذا التفسير؟ فلو كان معناها لا خالق إلا الله؛ لحصل وفاق بين النبي - صلى الله عليه وسلم - وبين المشركين، ولم يحصل خصومة ولا نزاع بين الرسل وأممهم.
لو كان معناها: لا خالق إلا الله؛ لحصلت مصافة وموافقة للمشركين مع الرسل، لكن الرسل والأنبياء خاصموا المشركين والكفار؛ إذ أن بعض الناس في هذا الزمن لا يعرفون كلمة التوحيد، ولا يعرفون منها إلا مجرد التلفظ بالحروف، وبعضهم يفسرها بتوحيد الربوبية.
وهؤلاء يكون المشركون أعرف منهم بهذه الكلمة، وهذا من المصائب أن يكون كفار قريش أعرف بكلمة التوحيد من بعض الناس الذين ينتسبون إلى الإسلام. كيف؟
الوثنيون يعرفون معنى هذه الكلمة، وهذا مسلم ينتسب إلى الإسلام ولا يعرف إلا مجرد الحروف، أو يفسرها بتوحيد الربوبية فقط.
وهناك بعض الناس يقولون هذه الكلمة ولكنهم يقعون في الشرك، قد يكونوا جهلة، قد يكون جاهلا ولا يعذر بجهله، وقد يفعل الشرك ويظن أنه يقربه إلى الله، وقد يتكلم بكلمة جاهلا أو ساخرًا مثل قصة الذين تكلَّمُوا في غزوة تبوك بكلمات يريدون أن يقطعوا بها عنهم الطريق، فأنزل الله كفرهم من سبع سماوات، فقال -سبحانه-: {قُلْ أَبِاللَّهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} [1] .
وبعض الناس يفعل الشرك ويظنُّ أنه يقربه إلى الله، وبعض الناس في هذا الزمان يسأل الموتى قضاء الحوائجَ والمدد وتفريج الكربات، يذبح لهم، وينذر لهم، ويظن أن هذا يقربه إلى الله، يظن أن هذا محبةً للصالحين، ومحبة الصالحين والتوسل بهم والشفاعة شرك يفعل الشرك الأكبر الذي هو أعظم الذنوب ولا يُغْفَر، وصاحبه مُخلدٌ في النار لو مات عليه، يفعله وهو يظن أنه يقربه إلى الله.
ولهذا يقول المؤلف - رحمه الله:"يفيد الموحد الذي رزقه الله توحيده، ومنَّ الله عليه بتوحيده، ووفقه لتوحيده وإخلاص الدين له، يفيده فائدتين، منهما الفائدة الأولى: الفرح بفضل الله ورحمته، الفرح بتوفيقه حيث وفقك الله ومنَّ عليك بتوحيده والإيمان به وإخلاص العبادة له، ولو شاء لكنت مثلهم".
فعليك أن تفرح وتغتبط بفضل الله وبرحمته، ومع ذلك نسأل الله الثبات والاستقامة على دينه.
وهذا الفرح فرحٌ محمود، وهو الفرح بفضل الله وبرحمته {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (( (( } [2] .
فالفرح على التوفيق للإِيمان والإِسلام، الفرح بتعلم القرآن، وتعلم العلم، وهذا مطلوب، وهو الفرح بفضل الله ورحمته.
هناك فرحٌ آخر مذمومٌ، وهو فرح الأشر والبطر، وفرح أهل الكبر وأهل الشرك، قال الله تعالى: {ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ (75) ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (( (( } [3] .
ففرح المتكبرين، وفرح الأشر، والبطر، ومن ذلك الفرح، فرح قارون الذي نصحه قومه {إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (( (( } [4] هذا فرح الأشر والبطر.
ما هي الفائدة الثانية؟
الخوف العظيم، أي: أن يخاف الإِنسان على أن يقع في الشرك وهو لا يشعر، لكن هؤلاء الذين وقعوا في الشرك لهم عقول ولهم أفهام، ومع ذلك وقعوا في الشرك!. فعلى العبد أن يخاف على نفسه؛ إذ أن هذا الخوف يدعوك إلى لزوم الصراط المستقيم، وسؤال الله الثبات على دينه، والاستقامة عليه، والبحث والحذر من الشرك، قال ابن كثير: (والبحث والتفتيش والتنقيب عن الشرك وذرائعه ووسائله حتى تحذره، وحتى لا تقع فيه) .
لهذا قال حذيفة - رضي الله عنه - كما في الصحيحين: " كان الناس يسألون الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن الخير، وأسأله عن الشر مخافة أن يدركني ".
وقال الله -تعالى- عن إبراهيم الخليل - عليه السلام - الذي جعله الله أمة واحدة: {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (35) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ} [5] .
فإذا كان إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - مقامه العظيم وهو سيد الأنبياء، وسيد الحنفاء، ووالد الأنبياء - عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم - يسأل ربه أن يجنبه وبنيه عبادة الأصنام! {رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ} [6] فكيف بغيره!!!.
إذًا، فالإِنسان يسأل ربه الثبات والاستقامة ولزوم الحق، ولزوم الصراط المستقيم، ويعض عليه بنواجذه، ويحذر من الشرك وذرائعه ووسائله، ويسأل عنها ويبحث عنها؛ حتى لا يقع في الشرك وهو لا يشعر.
فالمؤلف - رحمه الله - يقول: أن من حكمة الله أنه ما بعث نبي إلا وجعل له أعداء من شياطين الإِنس والجن، ما الدليل؟. والدليل على أن الأنبياء لهم أعداء من شياطين الإِنس والجن قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ (( (( (( (( (} [7] .
أي أن كل نبي أو رسول له أعداء يقفون لدعوته بالمرصاد من شياطين الجن وشياطين الإِنس يتعاونون، يعاون بعضهم بعضًا ليوحي بعضهم بعضًا زخرف القول غرورًا، وكذلك الدعاة وهو أتباع الرسل، لهم أعداء يقفون في طريق دعوتهم ويصدون الناس عنها.
والعلماء، والدعاة، والمصلحون هم ورثة الأنبياء، فلهم أعداء كما أن للأنبياء أعداء يقفون حجر عثرة في طريق الدعوة.
إذًا، لا بد من الصبر والتحمّل، ولا بد من أخذ السلاح والعدَّة، والسلاح هو العلم، ومع التسلح بسلاح العلم لا بد من صبر الداعية المصلح العالم.
وكذلك الأنبياء أمرهم الله بالصبر، فقال الله لنبيه - صلى الله عليه وسلم - {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ (( (( } [8] .
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - عندما تكلم الرجل لما قسّم النبي - صلى الله عليه وسلم - قسمة في حنين، قال رجل: اعدل، فإن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله! تغير وجه النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال: " رحم الله موسى لقد أوذي كثيرا فصبر ".
وقال الله في كتابه العظيم: {وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (( (} [9] .
فلا بدَّ من الصبر، فلا يستطيع إنسان أن يقوم بالدعوة حتى يصبر، كما أنه لا يستطيع أن يؤدي الواجبات ويبتعد عن المحرمات إلا بالصبر.
وكذلك أيضًا الدعوة لا بد لها من صبر، فطريق الدعوة وطريق الجنة طريق السعادة ليس مفروشًا بالورود، لكن أمامه عقبات وشدائد، لا بد من التحمل والصبر، والعاقبة بعد ذلك للمتقين، تكون للأنبياء وأتباعهم، وإن أصابهم في أول أمرهم شدة.
ولهذا قال هرقل ملك الروم لما سأل أبا سفيان عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - وذكر له أن الحرب سجال بينهم وبينه، ينالوا منه وينال منهم، قال:"وكذلك الرسل تبتلى ثم تكون لهم العاقبة"لأنه قرأ في الكتب السماوية السابقة، لأنه كان نصرانيًا يقرأ في الإِنجيل، وفي التوراة. قال:"كذلك الرسل تُبتلى"يعني في أول الأمر، ثم تكون لهم العاقبة والله -سبحانه- يقول: {فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (( (( } [10] .
(1) - سورة التوبة آية: 65 - 66.
(2) - سورة يونس آية: 58.
(3) - سورة غافر آية: 75 - 76.
(4) - سورة القصص آية: 76.
(5) - سورة إبراهيم آية: 35 - 36.
(6) - سورة إبراهيم آية: 36.
(7) - سورة الأنعام آية: 112.
(8) - سورة الأحقاف آية: 35.
(9) - سورة العصر آية: 1 - 3.
(10) - سورة هود آية: 49.