الصفحة 66 من 123

فلا بد من الصبر والتحمل في أول الأمر على الشدائد، وكذلك طلب العلم يحتاج إلى صبر وتحمل، ثم بعد ذلك يذوق الإنسان حلاوة العلم، لكن في وقت الطلب لا بد من الصبر والتحمل وسهر الليالي والصبر على مزاحمة والجثو على الركب أمام العلماء، وقراءة كتب العلماء، والتواضع لأهل العلم حتى يستفيد منهم، والتخلق بخلق العلم والتأدب بآدابه.

ولا بد الصبر على الشدة في أول الأمر، لهذا قال العلماء: لا بد لطلب العلم من صبر كصبر الحمار، وبكور كبكور الغراب. يتشبه بهذه الدواب، فمن لا يصبر لا يحصل على العلم، لا بد من الصبر.

فكثير من الشباب يحبون الخير، وعندهم استقامة، لكن لا يوجد عندهم صبر لطلب العلم، ولا على حضور الحلقات، وإن كانت الحلقات ليست كحلقات العلماء السابقين، كانت الدروس مستمرة ليل نهار، بعد الفجر درس، بعد الظهر درس، وبعد العصر درس، وبعد المغرب درس، وبعد العشاء درس. فالدروس مستمرة.

أما عندنا دروس أسبوعية -تذوق- ومع ذلك تجد الطلبة هذا يحضر أسبوعًا، والأسبوع الثاني لا يحضر، يحضر أسبوعًا، وأسبوعان لا يحضر، ويحضر شهرًا، وشهران لا يحضر.

لا يحصل طلب العلم بهذا، لا بد من الصبر والاستمرار والثبات؛ فقد ذكر المؤلف - رحمه الله - أن أهل الشرك قد يكون لهم علوم، عندهم علوم!.

فلا بد لطالب العلم أن يتسلح بسلاح العلم حتى يقابل شبههم بسلاح العلم، ويقابل شبههم بدفع هذه الشُّبَه التي يروجونها، ويدحرها حتى تزول ولا تقف في طريق الدعوة، ولا في طريق العلم الصحيح.

وذكر المؤلف - رحمه الله - في الشبه أن المشركين قد يوردون على المسلم شبهًا، وعلى الموحِّد شبهًا، وقد لا يكون هذا المسلم الموحد، وقد لا يكون طالبَ علم، ولكن موحِّدٌ ليس عنده من العلم ما يرد على هؤلاء، لكن هناك جواب سديد ذكره المؤلف - رحمه الله: نريد إيراد الشبهة التي يوردها بعض الناس على بعض طلبة العلم، يقول الوثني أو المشرك أن الصالحين لهم جاه عند الله، وأخبر الله أنه لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، فقال تعالى: {أَلَا إِن أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (( (( } [1] وقال تعالى: {لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ} [2] .

فأنا أطلب من الصالحين مما أعطاهم الله، {لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ} [3] {لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (( (( } [4] أنا أطلب منهم أن يقربوني إلى الله، وأن يشفعوا لي عنده، وأنا أعرف أنهم لا يخلقون ولا يرزقون. ويأتي بهذه الآيات، ويقول: هذه الآيات تدل على أنه لا بأس بتوسله بهم، ودعائهم، وقد لا يكون الإِنسان عنده استطاعة على الرد.

وذكر المؤلف - رحمه الله - جوابًا إجماليًا، ما هو الجواب الإِجمالي الذي قاله؟ قال: إنه جواب سديد، إنه لا يوفق له إلا ذو حظ عظيم وقد أُوتِي الصبر. فما هو هذا الجواب؟.

نقول: إن الله -تعالى- أخبر في كتابه أنه أنزل الكتاب منه آيات محكمات، ومنه آيات متشابهات كما قال تعالى: {مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} [5] فأم الكتاب أصل المحكم، والآيات المحكمات: الواضحات المعنى التي لا إشكال فيها، وأُخرُ متشابهات هي التي يشكل معناها، فقال الله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَاوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَاوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (( (} [6] .

فأخبر الله أن أهل الزيغ يتعلقون بالنصوص المتشابهة، ويتركون النصوص المحكمة الواضحة؛ فأنت ذكرت لي آيات نصوص على العين والرأس، لكن أنا لا أدري ما معناها، لكن الله أخبر في الكتاب العظيم أن المشركين يُقرُّون بتوحيد الربوبية. {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [7] {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [8] {قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (84) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ} [9] {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمْ مَنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ} [10] .

وهذا واضح، ونصوص واضحة بأن الكفار يقرون بتوحيد الربوبية.

كذلك ذكر الله -سبحانه وتعالى- في كتابه أن شركهم كان بطلب الشفاعة، وبطلب القربى والجاه، فقال تعالى: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ (( (} [11] .

فهذه آيات محكمات واضحة بيِّنة، لا لبس فيها ولا إشكال، أن الكفار يقرون بتوحيد الربوبية، وأنهم يدعون الصالحين، يطلبون منهم الزلفى والقربى والشفاعة.

هذه آيات لا إشكال فيها ولا في معناها، أما ما ذكرت من الآيات فإني لا أعرف معناها، لكن أنا أجزم أن كلام الله لا يتناقض، وأن كلام الرسول - صلى الله عليه وسلم - لا يناقض كلام الله.

هذا جوابٌ سديدٌ؛ فالآيات التي أوردتها تستدل بها على أنه يجوز التعلق بصالحين، هذا ليس بصحيح؛ لأنَّ عندنا آيات نصوص محكمة واضحة تدلُّ على أن المشركين يشركون بها، وأنهم أقرُّوا بتوحيد الربوبية، فأجزم بها، وهذه آيات محكمات، نصوص محكمة، لا إشكال فيها.

أما الآيات التي ذكرتها لا أعرف معناها، ولكن أجزم أنها لا تناقض الآيات المحكمة التي ذكرتها لك، بل توافقها، وإلا لزم التناقض في كلام الله، والله كلامه منزهٌ عن التناقض، كما أنها لا تنافي أحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

(1) - سورة يونس آية: 62.

(2) - سورة الزمر آية: 34.

(3) - سورة الزمر آية: 34.

(4) - سورة يونس آية: 62.

(5) - سورة آل عمران آية: 7.

(6) - سورة آل عمران آية: 7.

(7) - سورة العنكبوت آية: 61.

(8) - سورة الزخرف آية: 87.

(9) - سورة المؤمنون آية: 84 - 85.

(10) - سورة يونس آية: 31.

(11) - سورة الزمر آية: 3.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت