الصفحة 76 من 123

فالمشركون في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - عبادتهم متنوعة: منهم من يعبد اللات، ومنهم من يعبد العزى، ومنهم من يعبد الملائكة، ومنهم من يعبد المسيح - عليه السلام - وأمه، ومنهم من يعبد الصالحين والأولياء، ومنهم من يعبد الشمس، ومنهم من يعبد القمر، ومنهم من يعبد الشجر، ومنهم من يعبد الحجر ... عبادات متنوعة، لكن الرسول - صلى الله عليه وسلم - حكم عليهم جميعهم بحكمٍ واحدٍ، وهو أنهم كفَّار جميعًا، وأحلَّ دماءهم وأموالهم، واعتبرهم مشركين، وبهذه تبطل هذه الشبهة وتزول.

إذًا، ما الفرق بين الشبهتين؟

أنا أعترف بأن الله هو الخالق الرازق النافع الضار المدبر، وأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لا يملك لغيره - فضلا عن نفسه - نفعًا ولا ضرًا. أنا أطلب الله بهم، أدعو الله، ولا أدعو الصالحين، لكن أن أطلب من الله بهم، أيتوسل بهم، بل يدعو الصالح يدعوهم، يريد منهم الزلفى والقربى والشفاعة.

والجواب: هو أن يقال: إنَّ مقالتك مقالة الذين قاتلهم النبي - صلى الله عليه وسلم - سواءً بسواءٍ، فالمشركون يطلبون القربى والشفاعة.

فالشبهة الثانية كأنها اعتراض على جواب الشبهة الأولى، وأنا ما أعبد الأصنام والأوثان، وأنا أطلب من الصالحين، فالصالحين لهم جاه.

والجواب: إن منهم من يعبد الأصنام، ومنهم من يعبد اللات والعزى، ومنهم من يعبد الملائكة، ومنهم من يعبد الأنبياء.

واقرأ عليه النصوص التي فيها بيان أن منهم من عبد الأنبياء، ومنهم من عبد الصالحين، ومنهم من عبد الأشجار والأحجار.

شبهة عدم رجاء النفع والضر من الصالحين

فإن قال: الكفار يريدون منهم، وأنا أشهد أن الله هو النافع الضارّ لا أريد إلا منه، والصالحون ليس لهم من الأمر شيء؛ ولكن أقصدهم أرجو من الله شفاعتهم.

فالجواب: أن هذا قول الكافر سواء بسواء، فاقرأ عليه قوله تعالى: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ (( (( (( (( } [1] ] سورة الزمر، الآية: 3 [. وقوله تعالى: {وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ} [2] ]سورة يونس، الآية: 18[.

وعلم أن هذه الشُّبَه الثلاث: هي أكبر ما عندهم، فإذا عرفت أن الله وضحها في كتابه، وفهمتها فهمًا جيدًا، فما بعدها أيسر منها، فإن قال: أنا لا أعبد إلا الله وهذا الالتجاء إلى الصالحين، ودعاؤهم ليس بعبادة، فقل له: أنت تُقرّ أن الله افترض عليك إخلاص العبادة، وهو حقه عليك؟. فإذا قال: نعم!. فقل له: بَيِّنْ لي هذا الذي فرضه الله عليك، وهو إخلاص العبادة لله وحده، وهو حقه عليك؛ فإنه لا يعرف العبادة ولا أنواعها.

فبينها له بقولك: قال الله تعالى: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} [3] ]سورة الأعراف، الآية: 55]. فإذا أعلمته بهذا فقل له: هل علمت هذا عبادة لله؟. فلا بد أن يقول: نعم. والدعاء مخ العبادة، فقل له: إذا أقررت أنها عبادة لله ودعوت الله ليلا ونهارًا، خوفًا وطمعًا، ثم دعوت في تلك الحاجة نبيًّا أو غيره، هل أشركت في عبادة الله غيره؟. فلا بد أن يقول: نعم.

فقل له: إذا علمت بقول الله تعالى: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (( (} [4] ] سورة الكوثر، الآية: 2 [. وأطعت الله ونحرت له، هل هذا عبادة، فلا بد أن يقول: نعم.

فقل له: فإن نحرت لمخلوق، نبي، أو جني، أو غيرهما، هل أشركت في هذه العبادة غير الله؟ فلا بد أن يُقرَّ، ويقول: نعم.

(1) - سورة الزمر آية: 3.

(2) - سورة يونس آية: 18.

(3) - سورة الأعراف آية: 55.

(4) - سورة الكوثر آية: 2.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت