فهرس الكتاب
الحماية من أمر مخوّف لا يدفعه إلا الله. فهو نوع من أنواع العبادة، والله سبحانه يجير ولا يجار عليه ويعيذ من استعاذ به، فمن التجأ إلى ميت فقد عبده من دون الله وكذلك من أعظم أنواع العبادة الدعاء حيث قال الله تعالى: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [1] وأنت بالتجائك إلى غير الله قد دعوت غير الله وهذا شرك.
[فإذا عملت بقول الله تعالى: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} [2] وأطعت الله ونحرت له، هل هذا عبادة؟ فلا بد أن يقول: نعم، فقل له: فإذا نحرت لمخلوق، نبي أو جني أو غيرهما، هل أشركت في هذه العبادة غير الله؟ فلا بد أن يقر ويقول: نعم]أي لا بد إذا تلوت عليه الآيات والأحاديث بأن الدعاء عبادة لابد أن يعترف فتقول له لو دعوت الله في الليل والنهار لكنك في بعض الأحيان تدعو غير الله هل تكون مشركًا؟ فلا بد أن يعترف ويقول إنه مشرك لأنه دعا غير الله ومن دعا غير الله فهو مشرك.
وإذا كان من دعا غير الله ولو مرة واحدة في العمر يكون مشركًا مع أنه يدعو الله في الليل والنهار فكيف بالذي يلهج دائمًا بذلك ويقول يا حسين، يا بدوي، يا عبد القادر، يا فلان فيصدر منه الشرك كثيرًا.
فإذا كان من ذبح لغير الله أو صلى لغير الله يكون مشركًا فكيف بمن يلجأ إلى غير الله في كشف الشدائد ألا يكون مشركًا؟ بلى لأن الباب واحد وأنواع العبادة كلها بابها واحد لا يجوز أن يخلص لله في بعضها ويشرك بالله في البعض الآخر.
[وقل له أيضًا: المشركون الذين نزل فيهم القرآن هل كانوا يعبدون الملائكة والصّالحين واللات وغير ذلك؟ فلا بد أن يقول: نعم فقل له: وهل كانت عبادتهم إياهم إلا في الدعاء والذبح والالتجاء ونحو ذلك. وإلا فهم مقرون أنهم عبيده وتحت قهره وأن الله هو الذي يدبّر الأمر ولكن دعوهم والتجؤوا إليهم للجاه والشفاعة وهذا ظاهر جدًا] أي أن المشركين الأولين ما كان شركهم إلا في هذه الأمور وقد نزل القرآن في الإنكار عليهم والأمر بقتالهم وإباحة أموالهم ودمائهم. ما كانوا مع أصنامهم يعتقدون أنها تخلق وترزق وتحيي وتميت وما كانوا يدعونها إلا من أجل الشفاعة، فكذلك عبَّاد القبور اليوم يدعون الأضرحة والأولياء والصالحين ولا يعتقدون فيهم أنهم يخلقون ويرزقون وأنهم خلقوا السماوات والأرض وإنما اتخذوهم لقضاء الحاجات والتوسل بهم إلى الله ليشفعوا لهم ويقربوهم إليه زلفى والالتجاء إليهم في كشف الكرب والشدائد.
[فإن قال: أتنكر شفاعة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتبرأ منها. فقل لا أنكرها ولا أتبرأ منها. بل هو - صلى الله عليه وسلم - الشَّافع والمشفّع وأرجو شفاعته، ولكن الشفاعة كلها لله تعالى كما قال تعالى: {قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا} [3] ولا تكون إلا بعد إذن الله كما قال تعالى: {مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} [4] ولا يشفع النبي - صلى الله عليه وسلم - في أحد إلا بعد أن يأذن الله فيه، كما قال تعالى: {وَلا يَشْفَعُونَ إِلاّ لِمَنِ ارْتَضَى} [5] وهو سبحانه لا يرضى إلا التوحيد، كما قال تعالى: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ} [6] فإذا كانت الشفاعة كلها لله ولا تكون إلا من بعد إذنه، ولا يشفع النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا غيره في أحد حتى يأذن الله فيه، ولا يأذن الله إلا لأهل التوحيد تبيّن لك أن الشفاعة كلها لله وأطلبها منه فأقول: اللهمَّ لا
(1) الأعراف:55
(2) الكوثر:2
(3) الزمر:44
(4) البقرة:255
(5) الأنبياء:28
(6) آل عمران:85