الصفحة 33 من 49

تحرمني شفاعته اللهمَّ شفّعه فيّ، وأمثال هذا] شفاعة النبي - صلى الله عليه وسلم - لا ينكرها إلا أهل الباطل، والفرق الضالة كالخوارج والمعتزلة، أما أهل السنة والجماعة فإن من أصول عقيدتهم الإقرار بشفاعة النبي - صلى الله عليه وسلم - وشفاعة الأولياء والصالحين، ولكنها لا تطلب منهم وهم أموات وإنما تطلب من الله لأن أحدًا لا يشفع عند الله إلا من بعد إذنه، ولا بد أن يكون المشفوع فيه ممن يرضى الله عنه من أهل التوحيد، والنبي - صلى الله عليه وسلم - وهو أعظم الشفعاء يوم القيامة، إذا تقدم له أهل المحشر وطلبوا منه أن يشفع لهم عند الله في فصل القضاء بينهم، فإنه لا يشفع ابتداء، وإنما يستأذن ربه ويطلب منه أن يأذن له بالشفاعة فيخرّ ساجدًا بين يدي ربه ويدعوه ويتضرع إليه ويستمر حتى يقال له: يا محمد ارفع رأسك وسلْ تعطه واشفع تشفّع [1] ولكن كيف تطلب الشفاعة؟.

الشفاعة تطلب من الله ولا تطلب من المخلوق فتقول: اللهم لا تحرمني شفاعة نبيك، اللهم شفّعه فيّ. وأمثال هذا. والنبي - صلى الله عليه وسلم - بعد موته لا يطلب منه شيء لا شفاعة ولا غيرها لأن طلب الأشياء من الأموات شرك أكبر.

[فإن قال: النبي - صلى الله عليه وسلم - أعطي الشفاعة وأنا أطلبه مما أعطاه الله تعالى. فالجواب: أن الله أعطاه الشفاعة ونهاك عن هذا فقال تعالى: {فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} [2] فإذا كنت تدعو الله أن يشفّع نبيّه فيك فأطعه في قوله: {فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} ، وأيضًا، فإن الشفاعة أعطيها غير النبي - صلى الله عليه وسلم - فصح أن الملائكة يشفعون، والأفراط [3] يشفعون والأولياء يشفعون أتقول: إن الله أعطاهم الشفاعة وأطلبها منهم فإن قلت هذا رجعت إلى عبادة الصالحين التي ذكرها الله في كتابه. وإن قلت لا بطل قولك: أعطاه الله الشفاعة وأنا أطلبه مما أعطاه الله]أي ليس من لازم إعطاء النبي - صلى الله عليه وسلم - وغيره الشفاعة جواز طلبها منهم وهم أموات بدليل أن الله سبحانه وتعالى نفي أن يشفع أحد عنده إلا بإذنه ورضاه عن المشفوع فيه ولأن طلب الشفاعة من الأموات شرك والله قد حرم الشرك وأحبط عمل صاحبه وحرم عليه الجنة، وقد أنكر سبحانه على الذين يدعون غيره ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله ونزّه نفسه عن ذلك وسماه شركًا. وأيضًا إعطاء الله الشفاعة ليس خاصًا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - فهل كل من أعطي الشفاعة تطلب منه من دون الله كما كان المشركون الأولون يفعلون ذلك، {يَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ} [4] .

[فإن قال: أنا لا أشرك بالله شيئًا حاشا وكلا ولكن الالتجاء إلى الصّالحين ليس بشرك. فقل له: إذا كنت تقر أن الله حرّم الشرك أعظم من تحريم الزنى، وتقرُّ أن الله لا يغفره، فما هذا الأمر الذي حرمه الله وذكر أنه لا يغفره، فإنه لا يدري فقل له: كيف تبرئ نفسك من الشرك وأنت لا تعرفه؟ كيف يحرم الله عليك هذا ويذكر أنه لا يغفره ولا تسأل عنه ولا تعرفه؟ أتظن أن الله يحرّمه ولا يبيّنه لنا؟ فإن قال: الشرك عبادة الأصنام ونحن لا نعبد الأصنام فقل له: ما معنى عبادة الأصنام؟ أتظن أنهم يعتقدون أن تلك الأخشاب والأحجار تخلق وترزق وتدبّر أمر من دعاها؟ فهذا يكذّبه القرآن، وإن قال: هو من قصد خشبةً أو حجرًا أو بنية على قبرٍ أو غيره يدعون ذلك ويذبحون له يقولون: إنه يقربنا إلى الله زلفى ويدفع الله عنا ببركته ويعطينا ببركته فقل صدقت وهذا هو فعلكم عند الأحجار والأبنية التي على القبور وغيرها فهذا أقر أن فعلهم هذا هو عبادة الأصنام فهو المطلوب.

(1) انظر صحيح البخاري 4/ 105، 106 كتاب أحاديث الأنبياء باب قول الله تعالى: {إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ} ، وانظر مسلم 1/ 184 - 186 كتاب الإيمان من حديث أبي هريرة رضي الله عنه باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها كلاهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(2) الجن:18

(3) الأفراط: هم الأولاد الصغار الذين ماتوا قبل آبائهم. انظر لسان العرب 7/ 366 مادة «فرط» .

(4) يونس:18

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت