الصفحة 37 من 49

أنواعًا كثيرة، كل نوع منها يكفّر ويحل دم الرجل وماله حتى إنهم ذكروا أشياء يسيرة عند من فعلها مثل كلمة يذكرها بلسانه دون قلبه أو يذكرها على وجه المزح واللعب.

ويقال أيضًا: الذين قال الله فيهم: {يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ} [1] .

أما سمعت الله كفّرهم بكلمة مع كونهم في زمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويجاهدون معهم ويصلّون معه ويزكّون ويحجّون ويوَحِّدون.

وكذلك الذين قال الله فيهم: {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ، لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ} [2] فهؤلاء الذي صرّح الله أنهم كفروا بعد إيمانهم وهم مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة تبوك قالوا كلمة ذكروا أنهم قالوها على وجه المزح [3] ، فتأمل هذه الشبهة هي قولهم تكفّرون من المسلمين أناسًا يشهدون أن لا إله إلا الله ويصلون ويصومون ثم تأمل جوابها فإنه من أنفع ما في هذه الأوراق] ما زال الشيخ رحمه الله يواصل الرد على شبهات المشبهين في مسألة الشرك والتوحيد، فانتهى إلى هذه الشبهة العظيمة التي هي من أعظم شبههم وأخطرها ألا وهي قولهم إن من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وصلى وصام وحج وأدى الأعمال، فإنه لا يكفر ولو فعل ما فعل من أنواع الردة. أما الذين نزل فيهم القرآن وهم المشركون الأولون فإنهم ليسوا مثل هؤلاء فهم لم يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ولم يدخلوا في الإسلام فهم لا يؤمنون بالله ولا بالرسول ولا بالإسلام ولا بالقرآن، أما هؤلاء فأظهروا الإيمان بالبعث ويصلون ويصومون ويحجون ويزكون ويذكرون الله كثيرًا. فالشيخ رحمه الله عند هذه الشبهة خاصة قال: أصغ سمعك لجوابها فإنها من أعظم شبههم.

ثم ردَّ الشيخ على هذه الشبهة من سبعة وجوه مهمة:

الوجه الأول:

أنه من آمن ببعض الأحكام الشرعية وكفر ببعضها الآخر فهو كافر بالجميع. وهؤلاء أنكروا التوحيد الذي جاءت به الرسل وهو إفراد الله بالعبادة فهؤلاء لم يفردوا الله بالعبادة وإنما أشركوا معه غيره من الأولياء والصالحين فالإسلام لا يقبل التجزئة ولا التفرقة وأعظم الإسلام التوحيد وهو دعوة جميع الرسل، وهؤلاء جحدوا أعظم شيء وهو توحيد العبادة وقالوا لا بأس أن ينذر الإنسان لفلان ويذبح لفلان لأنه ولي والوليّ ينفع ويضر مما هو مثل فعل المشركين الأولين.

الوجه الثاني:

ذكر الشيخ رحمه الله وقائع في التاريخ الإسلامي تدل على أن العلماء في كل زمان يكفّرون من آمن ببعض وكفر ببعض. منها أن الصحابة ومن بعدهم قاتلوا الذين يتظاهرون بالشهادتين ويصلون ويصومون ويحجون لكن لما فعلوا شيئًا من الشرك أو جحدوا شيئًا من الدين قاتلوهم واستحلّوا دماءهم وأموالهم وذلك كما يلي:

أولًا: بنو حنيفة اعتقدوا أن مسيلمة رسول الله والذين جحدوا وجوب الزكاة بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم -.

وثانيًا: في عهد علي رضي الله عنه كفّروا الغلاة الذين قالوا إن عليًا هو الله مع أنهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ويصلون ويصومون وهم في جند علي رضي الله عنه، لكن لما أظهروا الغلو حرَّقهم علي رضي الله عنه مع أنهم يشهدون أن لا إله إلا الله ولكنه حرَّقهم لما اعتقدوا أن شخصًا له حق في الألوهية كفّرهم وحرقهم بالنار.

(1) التوبة: 74

(2) التوبة: 65 - 66

(3) تقدم العزو إليها

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت