الصفحة 4 من 49

اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ [1] يردد هذه الآية وهو يمشي فلما وصل إلى تلميذه في الدرعية أصاب التلميذ خوف وقلق من مجيء الشيخ لأنه يخشى على نفسه وعلى الشيخ من أهل البلد لأنهم متحاذرون من هذا الشيخ، فهدأه الشيخ وقال: لا يخطر في بالك شيء أبدًا توكل على الله جل وعلا فهو ينصر من نصره.

وفيما هم كذلك علمت زوجة أمير الدرعية وكانت امرأة صالحة فعرضت على زوجها الأمير محمد بن سعود أن يناصر هذا الشيخ الذي جاء وأنه نعمة من الله ساقها إليه فالبدار باغتنامه، فأدخلت عليه الطمأنينة وحب الدعوة وحب هذا العلم فقال الأمير: يأتيني، فقالت زوجته بل اذهب أنت إليه لأنك إذا أرسلت إليه وقلت يأتيني ربما يقول الناس طلبه من أجل أن يبطش به، لكنك إذا ذهبت إليه يكون هذا عزًا له ولك .. فذهب إليه الأمير في بيت التلميذ وسلّم عليه وسأله عن قدومه ... فشرح له الشيخ وبيّن له أنه ليس عنده إلا دعوة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم وهي الدعوة إلى كلمة التوحيد وهي لا إله إلا الله، وشرح معناها وبيّن له أنها عقيدة الرسل ...

فقال الأمير: أبشر بالنصر والتأييد، وقال له الشيخ: وأبشر بالعز والتمكين لأن هذه الكلمة - لا إله إلا الله - من قام بها فإن الله يمكّن له. فقال له الأمير: لكني أشترط عليك شرطًا، قال وما هو؟ قال أن تتركني وما آخذ من الناس، قال الشيخ لعل الله يغنيك عن هذا ويفتح لك باب رزق من عنده. فتفرقا على هذا وقام الشيخ بالدعوة وقام الأمير بالمناصرة. ثم توافد الطلاب على الدرعية وصار للشيخ مكانة فيها، فكان هو الإمام في الصَّلاة والمفتي والقاضي، فتكونت إمارة للتوحيد في بلاد الدرعية من ذلك الوقت وأرسل الشيخ رسائل إلى أهل البلدان والقرى يدعوهم إلى الله والدخول في عقيدة التوحيد وترك البدع والخرافات فمنهم من استجاب وانضم إلى الدعوة بدون جهاد وبدون قتال ومنهم من مانعه وعانده فقاتل جنود التوحيد بقيادة الأمير محمد بن سعود وريادة الشيخ محمد بن عبد الوهاب قاتلوا من عاند وعارض .. وامتدت الدعوة في بلاد نجد وسلّمت له البلاد ومن حولها، حتى أمير العيينة الذي كان له موقف مع الشيخ دخل في ولاية محمد بن سعود. وكذلك دخلت الرياض بعد قتال شديد وامتدت إلى الخرج وما وراء الخرج وإلى الشمال والجنوب حتى عمت من حدود الشام شمالًا إلى حدود اليمن جنوبًا ومن البحر الأحمر إلى الخليج العربي شرقًا كلها صارت تحت ولاية الدرعية بادية وحاضرة. وأفاء الله على الناس في الدرعية الخير والرزق والغنى والثروة وقامت بها أسواق تجارية واستنارت بالعلم والقوة ببركة هذه الدعوة السَّلفية التي هي دعوة الرسل عليهم السَّلام.

مؤلفاته:

ألّف الشيخ الكتب وأعظمها كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد.

ومن مؤلفاته هذه الرسالة «كشف الشبهات» التي نحن بصدد شرحها - إن شاء الله تعالى - وهي عبارة عن رد الشبهات التي أثيرت حول دعوة التوحيد التي قام بها الشيخ.

والمراد بالكشف إزالة الغطاء عن الشيء.

قال تعالى: {فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ} [2] والشبهات جمع شبهة وهي الأمر المشتبه المختلف الذي لا يُدْرَى هل هو حق أم باطل؟ ومنه قول الرسول - صلى الله عليه وسلم: «إن الحلال بيّن والحرام بيّن وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه» [3] .

(1) الطلاق: 2 - 3

(2) ق: 22

(3) رواه الإمام البخاري في صحيحه 1/ 19، كتاب الإيمان باب فضل من استبرأ لدينه من حديث النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت