الصفحة 5 من 49

المشتبهات هنا المراد بها الأمور التي لا يُدْرَى هل هي من الحلال أو من الحرام لسبب تجاذب الأدلة فيها، ولا يعلمها إلا الخواص من أهل العلم. فالشبهات هنا المراد بها الأمور المشتبهة التي فيها تلبيس وتغطية وتمويه على النَّاس يظنونها حقًا وهي ليست بحق وكشفها هو الإيضاح لبطلانها.

والمراد هنا كشف ما كان عند النَّاس من شبهات حول عبادة القبور والاستغاثة بها التي عمت كثيرًا من بلاد الإسلام من بعد القرون المفضلة، حيث أُدخل في الإسلام ما ليس منه وذلك عن طريق الشيعة والمتصوفة فهم الذين تسببوا في نشر هذه الشبهات وهذه الشركيات التي انتشرت في بلاد الإسلام بحجج واهية، والجهال يظنونها حقًا؛ فيقولون إن هؤلاء الموتى عباد صالحون ولهم مكانة عند الله ونحن أناس مذنبون فهم يتوسلون بهم ويجعلونهم وسائط بينهم وبين الله في غفران الذنوب ويتقربون إليهم. وبسبب ذلك تغيرت عقيدة التوحيد عند كثير من النّاس من عهد بعيد بعد المائة الرابعة ومضي القرون المفضلة، حتى قيّض الله لهذه الأمة علماء يكشفون هذه الشبهات ومن أبرزهم شيخ الإسلام أحمد بن تيمية الذي قام ودحض هذه الشبهات ووضَّح للناس عقيدة التوحيد وكتب في ذلك الكتب النافعة وبيّن عقيدة السَّلف الصَّالح وسجلها في كتبه مدعمًا مسائلها بالأدلة القاطعة والبراهين الساطعة، ودحض هذه الشبهات، ثم تلاه تلاميذه كالإمام ابن القيم في كتبه والإمام ابن كثير والإمام الذهبي والإمام المزّي وجاء بعدهم الحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله إلى أن وصل الأمر للشيخ الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب فتلقى هذه العقيدة بقوة وقام بالدعوة إليها والجهاد في سبيلها حتى استنارت بها هذه البلاد، ولله الحمد وامتدت إلى البلاد المجاورة في مصر والشام والعراق وحتى في بلاد فارس عند أهل السنة وامتدت إلى الهند وإلى المغرب وإلى كثير من البلاد ولله الحمد، فمن أراد الله له الخير فإنه تأثر بهذه الدعوة المباركة وعرف أنها دعوة حق فاستجاب لها وأيّدها، وقامت الحجة على المعاندين ولله الحمد والمنة وزالت عن البلاد معالم الشرك والوثنية وعوائد الجاهلية.

[قال رحمه الله: بسم الله الرحمن الرحيم] ابتدأ الرسالة ببسم الله الرحمن الرحيم وهذه هي السُّنَّة: أن تبدأ الكتب والرسائل ببسم الله الرحمن الرحيم كما ابتدأ الله تعالى بها في كتابه فأول ما ترون في المصحف الشريف {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم، الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [1] وكذلك قبل كل سورة «بسم الله الرحمن الرحيم» ، والنبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا كتب يبدأ كتبه بـ «بسم الله الرحمن الرحيم» [2] . وإذا تحدث إلى أصحابه يبدأ مجلسه ببسم الله الرحمن الرحيم. والحكمة في البدء ببسم الله الرحمن الرحيم التبرك بها لأنها كلمة مباركة فإذا ذكرت في أول الكتاب أو في أول الرسالة تكون بركة عليه. أما الكتب أو الرسائل التي لا تبدأ ببسم الله الرحمن الرحيم فإنها تكون ناقصة لا خير فيها، ومن ناحية أخرى بسم الله الرحمن الرحيم فيها الاستعانة بالله جل وعلا فقوله: {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم} أي أستعين وأتبرك ببسم الله الرحمن الرحيم. فالجار والمجرور متعلق بمحذوف تقديره أستعين وأتبرك بـ {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم} . والله عَلَم على الذات المقدسة. والرحمن الرحيم اسمان كريمان من أسمائه الحسنى يتضمنان الرحمة. [اعلم رحمك الله] اعلم: هذه الكلمة يبدأ بها في التنبيه إلى الأمور المهمة فإذا أردت أن تنبه شخصًا على شيء مهم من مسائل العلم تقول له: اعلم من أجل أن ينتبه. واعلم فعل أمر من العلم يعني تلعّم ما يأتي واهتم به وألق بالك لما يلقى عليك ولما يكتب لك. فهذه كلمة يُؤتى

(1) الفاتحة: 1 - 2

(2) انظر صحيح الإمام البخاري 4/ 402 كتاب الجهاد باب دعاء النبي إلى الإسلام والنبوة وأن لا يتخذ بعضهم بعضًا أربابًا من دون الله وقوله تعالى: {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللَّهُ} إلى آخر الآية. وفي الفتح 6/ 109، وانظر تفاصيل ذلك في زاد المعاد في هدي خير العباد لابن القيم 3/ 688 - 696، ذكر هديه في مكاتباته إلى الملوك وغيرهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت