بها لأهمية ما يأتي بعدها قال تعالى: {لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا} [1] وقال تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} [2] وقال تعالى: {اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [3] وقال تعالى: {فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاَغُ الْمُبِينُ} [4] .
فهذه كلمة عظيمة يؤتى بها للاهتمام. ثم قال: «رحمك الله» هذا دعاء من الشيخ رحمه الله لكل من قرأ هذه الرسالة، وهذا من باب التّلطّف لطالب العلم وتحسين الكلام له من أجل أن يُقبل على طلب العلم.
[أن التوحيد هو إفراد الله سبحانه بالعبادة] أي اعلم هذه المسألة العظيمة واجعلها في ذاكرتك واجعلها في اهتمامك دائمًا وأبدًا وهي «أن التوحيد هو إفراد الله بالعبادة» وليس هو إفراد الله بالربوبية فإن هذا أقرَّ به المشركون ولم يكونوا موحّدين لأنهم لم يفردوا الله بالعبادة، فإقرارهم بتوحيد الربوبية ليس هو التوحيد المطلوب وإنما توحيد الربوبية دليل على توحيد الألوهية ولازم له فمن أقر بتوحيد الربوبية لزمه أن يقر بتوحيد الألوهية والله تعالى يذكر في القرآن في كثير من الآيات توحيد الربوبية دليلًا على توحيد الألوهية كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ، الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُوا لِلّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} [5] هذا هو توحيد الربوبية وهو دليل توحيد الألوهية، فأقام سبحانه وتعالى الحجة عليهم فيما أنكروه من توحيد الألوهية بما اعترفوا به من توحيد الربوبية ليلزمهم بذلك.
حيث قال لهم كيف تعترفون أنه هو الخالق الرازق المحيي المميت وأنه لا شريك له في ذلك ثم تشركون في عبادته. أما الذين يقولون إن التوحيد هو الإقرار بأن الله هو الخالق الرازق المحيي المميت ... إلخ فهم غالطون غلطًا فاحشًا، ولم يأتوا بالتوحيد المطلوب الذي دعت إليه الرسل. وعلى هذا المنهج الباطل أغلب عقائد المتكلمين التي تدرس الآن في كثير من المدارس الإسلامية. وقصد الشيخ رحمه الله بهذا التعريف هو الرد على هؤلاء الذين ركّزوا على توحيد الربوبية وتركوا توحيد الألوهية، فهذه أول شبهة وهي: أنهم جعلوا توحيد الربوبية هو التوحيد المطلوب، وأن من أفرد الله به فهو الموحّد وألّفوا كتبهم فيه وبنوا منهجهم عليه وصرفوا همهم إلى تحقيقه.
[وهو دين الرسل الذي أرسلهم الله به إلى عباده] فالرسل كلهم ما طلبوا من النّاس أن يقرروا بأن الله هو الخالق الرازق المحيي المميت لأنهم معترفون بهذا وإنما طالبوا الأمم بإفراد الله بالعبادة. قال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [6] ما قال أن يقروا بأن الله هو الرب لأنهم مقرون بهذا بل قال: {اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} أي اتركوا الشرك بالله عز وجل في الألوهية.
وقال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاّ أَنَا فَاعْبُدُونِ} [7] ما قال أنه لا رب سواي ولا خالق إلا أنا، بل قال سبحانه: {أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاّ أَنَا} أي لا معبود بحق سواي.
(1) الطلاق: 12
(2) محمد: 19
(3) المائدة: 98
(4) المائدة: 92
(5) البقرة: 21 - 22
(6) النحل:36
(7) الأنبياء: 25